لبنان: توم باراك وطاولة التفاوض.. من يملك القرار خارجها؟

بقلم: كريستينا شطح..
لم يكن تصريح المبعوث الأميركي توم باراك بأن إيران وحزب الله غائبان عن طاولة التفاوض تفصيلاً عابراً في سياق الحديث عن التسوية اللبنانية – الإسرائيلية، بل كشف إشكالية أساسية في أي مسار تفاوضي يحاول معالجة ملف تتجاوز مصادر قوته حدود الدولة اللبنانية.
لكن أهمية كلام باراك لا تكمن فيما إذا كان يقصد فعلاً إشراك إيران وحزب الله في المفاوضات، بل في الحقيقة السياسية التي كشفها: كيف يمكن الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ إذا كان بعض من يملكون القدرة على التأثير في نتائجها خارج الطاولة الرسمية؟
المعادلة المعلنة واضحة: الدولة اللبنانية هي الطرف الشرعي في التفاوض، والولايات المتحدة وسيط، وإسرائيل تطرح شروطها الأمنية، فيما يقع على لبنان ملف حصر السلاح بيد الدولة. غير أن هذه الصورة الرسمية تخفي واقعاً أكثر تعقيداً؛ فالسلاح ليس ملفاً داخلياً يمكن حسمه بقرار حكومي، كما أن ارتباط قدرات حزب الله بإيران يجعل أي معالجة لهذا الملف متصلة بمعادلة إقليمية أوسع.
وهنا تكمن دلالة كلام باراك. فهو لم يدعُ بالضرورة إلى الاعتراف بحزب الله طرفاً تفاوضياً، لكنه أقر بأن تجاهله لا يعني أن تأثيره يمكن تجاهله. فالطرف قد لا يكون ممثلاً على طاولة التفاوض، لكنه يستطيع أن يكون حاسماً في تنفيذ ما يُتفق عليه أو تعطيله.
وتزداد أهمية هذا الكلام إذا وضعناه في سياق السياسة الأميركية تجاه إيران. ففي 24 آب أطلقت وزارة الخزانة الأميركية رسمياً Operation Economic Outcast، ووصفتها بأنها حملة اقتصادية واسعة لعزل إيران وقطع مصادر تمويلها. واستهدفت الحملة شبكات مرتبطة بالإيرادات الإيرانية والالتفاف على العقوبات، مع تركيز على قطاعات تشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، إضافة إلى إجراءات وعقوبات جديدة ومخاطر عقوبات ثانوية.
لم تكن الرسالة مجرد إضافة عقوبات جديدة إلى قائمة طويلة، بل محاولة لتضييق البيئة الاقتصادية التي تتحرك فيها طهران وتقليص قدرتها على توليد الأموال وتحريكها عبر شبكات الالتفاف على العقوبات. وهنا تظهر المفارقة: واشنطن تشدد الخناق على إيران، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه التعامل معها كأنها خرجت من المعادلة.
فالضغط الاقتصادي لا يعني إلغاء الدور الإيراني، بل محاولة تغيير شروطه وسلوك صاحبه قبل الوصول إلى أي تسوية. ولهذا لا تحتاج واشنطن إلى منح إيران مقعداً رسمياً في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لكي تدرك أن نفوذها في ملف سلاح حزب الله يجعل تجاهلها غير واقعي. كما لا تحتاج إلى التفاوض مباشرة مع الحزب لكي تدرك أن أي اتفاق يتعلق بمصير سلاحه سيُختبر في النهاية بمدى القدرة على تطبيقه على الأرض.
وهنا تظهر الفجوة بين الشرعية والقدرة. الدولة اللبنانية تملك الشرعية في التفاوض، لكن نجاح الاتفاق يحتاج أيضاً إلى قدرة فعلية على تنفيذه. وإسرائيل تملك التفوق العسكري، لكن التفوق لا ينتج بالضرورة تسوية مستقرة. أما الولايات المتحدة فتملك أدوات الضغط والوساطة، لكنها لا تستطيع وحدها فرض واقع سياسي وأمني على قوى تملك القدرة على التأثير فيه.
لذلك لا يلغي تراجع باراك أهمية تصريحه الأول. فعندما أوضح أن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع حزب الله، وأنه كان «يصف صعوبة المشكلة، لا يقترح طاولة جديدة»، كان يعيد تثبيت الموقف الأميركي الرسمي، لكنه لم يغيّر حقيقة أن السلاح الذي تريد إسرائيل معالجة مصيره يرتبط بإيران، وأن التعامل مع تداعيات هذا الملف لا يمكن فصله بالكامل عن الدور الإيراني.
ومن هنا تبدو السياسة الأميركية وكأنها تعمل على مسارين متوازيين: إضعاف إيران اقتصادياً، والضغط على حزب الله، مع إبقاء المسار التفاوضي مع الدولة اللبنانية مفتوحاً. وهذه ليست بالضرورة سياسة متناقضة؛ فالضغط قد يكون وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوة قبل التسوية، فيما يبقى التفاوض الأداة اللازمة لتحويل تلك الموازين إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار. لكن للعقوبات حدودها؛ فإيران طوّرت خلال سنوات طويلة شبكات للالتفاف عليها، كما أن استمرار علاقاتها التجارية مع قوى كبرى، وفي مقدمتها الصين، يجعل عزلها اقتصادياً بصورة كاملة أمراً شديد التعقيد. لذلك تبقى العقوبات أداة ضغط، لا بديلاً عن السياسة.
وهنا يعود لبنان إلى قلب المعادلة. فإذا كانت واشنطن تضغط على إيران لتغيير سلوكها، وكان حزب الله أحد أبرز ساحات نفوذها الإقليمي، فإن لبنان يصبح إحدى ساحات اختبار نتائج هذا الضغط. وما يُبحث في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لا يتعلق فقط بالحدود والترتيبات الأمنية، بل أيضاً بمستقبل علاقة السلاح بالدولة وحدود النفوذ الإقليمي داخل لبنان.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت واشنطن تريد أن تجلس مع إيران وحزب الله إلى طاولة واحدة. السؤال هو: هل تستطيع أن تصنع تسوية مستقرة من دون أن تأخذ في حسابها من يملك القدرة على التأثير في تنفيذها؟
باراك لم يعلن تغييراً في السياسة الأميركية، ولم يمنح حزب الله أو إيران صفة تفاوضية. لكنه كشف حدود مقاربة تفترض أن التفاوض مع الدولة وحدها يكفي لمعالجة مشكلة تتجاوز حدود الدولة في مصادر قوتها وارتباطاتها.
في النهاية، قد تستطيع واشنطن أن تختار من تجلس معه إلى الطاولة، لكنها لا تستطيع أن تختار من يملك القدرة على تغيير ما يحدث خارجها.
وهنا تكمن أهمية تصريح توم باراك: لم يكن بالضرورة إعلاناً عن تحوّل في السياسة الأميركية، بقدر ما كان اعترافاً بأن الطريق إلى التسوية يمر عبر خريطة القوة، لا عبر خريطة التفاوض وحدها.



