ترامب في الحفرة التي حفرها لإيران.. من فخّ النصر لمستنقع الهزيمة

بقلم: زهير حليم أندراوس..
أولًا، في أديباتنا العربيّة الشعبيّة هناك مثلٌ يقول إنّ “دخول الحمّام ليس مثل الخروج منه”، وهو مثلٌ شعبيٌّ شهيرٌ يُضرَبْ للتنبيه إلى أنّ بداية الأمور أوْ دخولها قد يبدو سهلًا ومغريًا، بينما الخروج منها أوْ تحمّل تبعاتها يكون أصعب وأكثر كلفةً. وهذا المثل ينطبق، بصورةٍ أو بأخرى، على تورّط الولايات المتّحدة في إيران، بعد تمكّن رئيس الوزراء الإسرائيليّ من إقناع الرئيس دونالد ترامب بأنّ تحقيق أهداف العدوان في متناول اليد، ليتبيّن الآن أنّ نتنياهو هو، كما وصفه “صديقه” الوزير سموتريتش، بالكذّاب ابن الكذّاب، أوْ كما نعته رئيس الوزراء الأسبق إسحاق شامير، بـ”ملاك التخريب والدمار”.
ثانيًا، لم تكتفِ إيران، بعد نجاح الثورة الإسلاميّة في العام 1979، بقيادة المواجهة مع الولايات المتّحدة، بل فهمت قواعد اللعبة التي وضعها كيسنجر، والقائمة على الواقعيّة السياسيّة في العلوم الدوليّة: “كيف نُبقي إيران قويّةً بما يكفي لإرباك المنطقة، وضعيفةً بما يكفي لكيلا تنتصر؟”، وقامت بتوظيفها لصالحها من خلال مسار يتمثّل في ممارسة الروابط، حيث نجحت طهران في تشبيك ملفاتها، فأيّ حديثٍ عن الملف النوويّ بات يقترن بالمقاومة في العراق ولبنان واليمن، الأمر الذي جعلها شبكةً معقّدةً يصعب تفكيكها، إن لم يكن مستحيلًا.
وتعتمد الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة ثلاث أدواتٍ إستراتيجيّةٍ لإدارة ملفّ طهران: سياسة الخطوة خطوة (عدم الحلّ): الحلّ النهائيّ كابوسٌ لواشنطن، فالحرب الشاملة تُدمّر أسواق النفط، والسلام الكامل يُطلِق العنان لإيران كقوّةٍ اقتصاديّةٍ وإقليميّةٍ يفوق عدد سكانها المائة مليون، لذا تُفضّل واشنطن (الصراع المدار) عبر اتفاقاتٍ جزئيّةٍ وضرباتٍ محسوبةٍ تجعل من تواجد واشنطن العسكريّ وتدفّق مبيعات السلاح أمرًا مبرّرًا. كما تتبنّى واشنطن سياسة الاحتواء المزدوج المعدّل، أيْ ترك إيران كقوّةٍ إقليميّةٍ ضاغطةٍ يدفع دول المنطقة إلى المظلّة الأمنيّة الأمريكيّة، وفي المقابل تُترَك إسرائيل كعدو مترقب لطهران وهو الأمر الذي يُبقي جميع اللاعبين في المنطقة في حالة احتياجٍ دائمٍ إلى الوسيط الأمريكيّ.
وتعمل الولايات المتّحدة على خلق الفوضى المُسيطَر عليها، أو الفوضى الخلّاقة، والتي تتمثّل في ضرب الأطراف والأذرع لإنهاك المركز بدلاً من الصدام معه مباشرةً، وذلك بهدف إبقاء المحور الإيرانيّ مستنزَفًا وغارقًا في أزماته الجانبيّة. بيد أنّ العدوان الأخير ضدّ إيران، وعلى الرغم من عدم تكافؤ القوّة بين الطرفين، أكّد لكلّ مَن في رأسه عينان أنّ القوّة العسكريّة لها أيضًا محدوديّتها، وأنّ الولايات المتّحدة، بـ “جلالتها وعظمتها”، سقطت في الحفرة التي حفرتها لعدوّتها، وباتت متورّطةً في الوحل الإيرانيّ، دون أن تتمكّن من إنهاء العدوان بـ “صورة نصرٍ”، وهو الأمر الذي سيُلزِم رئيسها بسحب قوّاته في أسرع وقتٍ ممكنٍ، لأنّ الانتخابات النصفيّة ستجري في تشرين الثاني، حيث تُظهِر استطلاعات الرأي هبوطًا حادًّا في شعبيّة ترامب، وأنّ خسارة الحزب الجمهوريّ، الذي يقوده، في هذه الانتخابات باتت حقيقةً واقعيّةً تقريبًا.
من الأهميّة بمكانٍ الإصغاء إلى أقوال المفتّش السابق عن الأسلحة غير التقليديّة في العراق، سكوت ريتر، حول تهديدات ترامب بخنق إيران اقتصاديًا: “الغرب يحاول خنق إيران منذ ما يقرب من خمسين عامًا، أي بعد نجاح الثورة الإسلاميّة. وقد فشل في تحقيق ذلك، وسيستمرّ في الفشل، لأنّك كيْ تمتلك نفوذًا اقتصاديًا على دولةٍ ما، يجب أنْ يكون هناك تبادلٌ اقتصاديٌّ مباشرٌ، بينما التبادل الاقتصاديّ المباشر بين واشنطن وطهران معدومٌ تمامًا عبر العقود”. واختتم ريتر: “نجاح هذه التهديدات مستحيلٌ تمامًا. وفي أقلّ من أسبوعٍ، وهذه توقّعاتي، سيتراجع ترامب عن مساره لأنّه سيتّضح بجلاءٍ عدم وجود أيّ أوراق ضغطٍ اقتصاديّةٍ. لقد كانت هذه التغريدة الصادرة عن ترامب مجرّد ذعرٍ واستعراضٍ على منصّات التواصل. هذه ليست سياسةً مدروسةً بعنايةٍ على الإطلاق، بل جاءت عقب تلقّيه إحاطةً من البنتاغون مفادها: (نحن نملك صفر قدرة عسكريّة لفرض إرادتنا على إيران بشأن مضيق هرمز)”.
وفي حال خسارة ترامب وحزبه الانتخابات النصفيّة وتحوّل السيطرة إلى الحزب الديمقراطيّ، فإنّ الأخير سيبدأ بإجراءات عزل الرئيس الأمريكيّ من منصبه وتقديمه للمحاكمة في عدّة ملّفاتٍ، كما ينصّ الدستور الأمريكيّ. ولا نُجافي الحقيقة بتاتًا إذا جزمنا بأنّ إيران، في حال تحقّق هذا السيناريو، ستكون المنتصرَة على رئيسٍ أمريكيٍّ يصفه البعض الكثير بالنرجسيّ، أوْ بـ “المختلّ عقليًا”، وفق الفنّان المشهور روجر ووترز، لا بلْ على الولايات المُتحدّة بنفسها.



