استنزاف الاحتياطي يهدد الاستقرار المالي ويضع الرواتب أمام اختبار صعب

جرس إنذار اقتصادي في بغداد
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
بعد أكثر من ستة أشهر على إغلاق مضيق هرمز، بدأت تداعيات الأزمة الإقليمية تنعكس بصورة أكثر شدة على الاقتصاد العراقي، في ظل اعتماد الدولة بشكل رئيسٍ على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة وتغطية الرواتب والنفقات الاجتماعية، مقابل محدودية الموارد غير النفطية وضعف البدائل القادرة على تعويض تراجع العائدات النفطية.
وتزامنت الأزمة مع ضغوط متزايدة على الخزينة العامة، التي تتحمل شهرياً أعباءً كبيرة لتأمين رواتب موظفي الدولة والمتقاعدين وشبكة الرعاية الاجتماعية، في وقت شهدت فيه الصادرات النفطية، تراجعاً كبيراً مقارنة بالمستويات التي سبقت الأزمة، عندما كانت الصادرات تقترب من أربعة ملايين برميل يوميا.
وفي مؤشر يعكس حجم الضغوط التي يتعرّض لها الاقتصاد العراقي، أعلن البنك المركزي العراقي انخفاض الاحتياطي النقدي بنحو 30 مليار دولار، ليتراجع من مستويات تقارب 109 مليارات دولار إلى نحو 77.5 مليار دولار، وسط تأكيدات بأن الجزء الأكبر من الأموال التي جرى استخدامها خلال الأزمة وجهت لتغطية الرواتب والالتزامات الحكومية.
ويثير هذا التراجع مخاوف اقتصادية متزايدة، كون الاحتياطي النقدي يمثل أحد أهم أدوات حماية الاستقرار المالي والنقدي، ويمنح الدولة قدرة على مواجهة الأزمات المفاجئة وتمويل الاستيرادات ودعم استقرار سعر صرف الدينار، لذا فإن استنزاف جزء كبير منه خلال فترة قصيرة ينبئ بإحراج حكومي في حال استمرار الأزمة أو تعرّض الإيرادات النفطية لمزيد من التراجع.
ويرى مختصون، أن المشكلة لا تكمن فقط في انخفاض الاحتياطي، بل في استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على مصدر واحد للإيرادات، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في أسواق النفط أو طرق التصدير ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تمويل نفقاتها.
ورغم التحذيرات المتكررة من خطورة استمرار هذا النموذج، ما تزال الإجراءات الحكومية في تعظيم الإيرادات غير النفطية دون مستوى حجم التحديات، إذ تحتاج القطاعات الزراعية والصناعية والكمركية والسياحية والاستثمارية إلى إصلاحات واسعة تمكنها من رفد الخزينة بمصادر دخل مستقرة، إلى جانب حماية الإنتاج المحلي وتشجيع القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ومع مرور نحو مئة يوم على عمر الحكومة الحالية، تبرز تساؤلات بشأن قدرة القرارات الاقتصادية المتخذة حتى الآن على التعامل مع أزمة بهذا الحجم، خصوصا أن استمرار الضغط المالي بدأ ينعكس على حياة المواطنين والموظفين، وسط مخاوف من تأخر الرواتب وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع مستويات القلق بشأن الوضع الاقتصادي والمعيشي.
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الأموال التي جرى اللجوء إليها من الاحتياطي النقدي مخصصة أساساً لمواجهة حالات الطوارئ والأزمات، مشددا على ضرورة اتخاذ إجراءات تحد من النفقات غير الضرورية التي تشكل أعباءً إضافية على الموازنة العامة.”
وأضاف، أن “الموازنة المقبلة ينبغي أن تتحول من موازنة أبواب إلى مشاريع، بما يضمن توجيه الإنفاق نحو القطاعات والمشاريع ذات الأولوية والعائد الاقتصادي، بدلا من استمرار الإنفاق بالآليات التقليدية التي قد تزيد من الضغوط على الخزينة”.
وأشار إلى أن “الإجراءات الحكومية المتخذة حتى الآن، رغم محدوديتها، تأتي ضمن الإمكانيات المتاحة في ظل الظروف المالية الراهنة، إلا أن حجم الأزمة يتطلب البحث عن حلول أوسع وأكثر استدامة”.
ولفت الى ان “من أبرز الخطوات المطلوبة، هو العمل على إيجاد منافذ بديلة لتصدير النفط، بما يسهم في تقليل آثار تعطل حركة التصدير عبر مضيق هرمز، ويمنح العراق قدرة أكبر على تأمين موارده المالية وتقليل الضغط على الاحتياطي النقدي.”
وأشار إلى أن “معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على الاحتياطي وحده، بل تحتاج إلى حزمة من الإجراءات المالية والاقتصادية التي تجمع بين ترشيد الإنفاق، وتنمية الإيرادات، وتأمين مسارات بديلة للصادرات النفطية، بما يساعد على حماية الاستقرار المالي وتقليل انعكاسات الأزمة على الموازنة العامة.”
وفي المقابل، أكد مراقبون، أن الأشهر المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للسياسة المالية للحكومة، إما الانتقال نحو إصلاحات اقتصادية وهيكلية حقيقية، أو الاستمرار في استنزاف الاحتياطي لمواجهة الالتزامات الجارية، وهو مسار قد يضاعف الضغوط على الخزينة ويحد من قدرة الدولة على مواجهة أزمات مستقبلية.



