اخر الأخباراوراق المراقب

عفّة النساء.. ذاتية أم مفروضة عليهن؟

محمد علي جواد تقي..

حرية المرأة؛ تُعد من المباحث المحورية الهامة في مجال الاجتماع، لما لها من تأثير مباشر على شخصية المرأة، وعلى الكيان الاجتماعي بشكل عام، وكلما كانت هذه الحرية في مسار التكامل للعلم والمعرفة والأخلاق، كانت نسبة نجاحها في الحياة أكبر.

ومن أهم المعارف في حياة المرأة؛ وجود العفّة في نفسها، والبحث عما إذا كانت ذاتية وضمن تكوينها كأنثى، أم كانت مفروضة عليها من أطراف خارجية مؤثرة مثل؛ الأسرة، او القانون، او الدين، او الأعراف الاجتماعية؟

تحديد الإجابة يمكنه مساعدتنا على حل كثير من المشكلات المعقدة في السلوك، وفي العلاقات بين الافراد، وأيضاً؛ مساعدة فتياتنا ونسائنا على اختيار الطريق السليم في التعامل مع العالم الخارجي بما لا يورث الندم، ولا يتقاطع مع العقل والفطرة السليمة.

بدايةً؛ يجدر بنا معرفة المعنى اللغوي والاصطلاحي للعفّة، فقد غلب عليها اصطلاحاً أنها تنصرف كلياً الى بنات حواء بينما في اللغة؛ تَعَفَّفَ: عَفّ؛ امتنع عمَّا لا يحلُّ ولا يليق، وتجنَّب سيِّئَ القول والفعل، وعَفِيفُ النَّفْسِ: أَبِيُّ النَّفْسِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ. بمعنى أن الحالة تشمل الرجل كما تشمل المرأة في جوانب سلوكية مختلفة.

أما اصطلاحاً؛ فإنها تنصرف بالدرجة الأولى الى المظهر الخارجي للمرأة بحجابها الكامل والساتر لكل مثير لشهوة الرجل الجنسية، فكما أن الرجل مطالب بعفّة البصر، على المرأة ايضاً بالمقابل مساعدة الرجل لإنجاح مهمة تجميد الشهوة الجنسية في الأماكن العامة من خلال غلق كل ما من شأنه التمييع وجذب الانظار، وهي معادلة تبدو منطقية وعقلية.

عفّة المرأة في المنظار الديني

تزخر الآيات القرآنية والروايات الشريفة عن المعصومين، عليهم السلام، بالتأكيد على ذاتية العفّة وأنها من صميم تكوين الأنثى، فهي تحمل هذه السمة منذ ولادتها وتنمو معها طوال حياتها. بلى؛ ربما تؤثر عوامل المحيط الاجتماعي على تغييب هذه الحالة النفسية المتأصلة، ودفع الفتاة او المرأة الى فعل ما تريد خارج ضوابط العفّة، بيد أن تجارب الحياة تؤكد لنا أنه حتى هذا العامل لا يكون ذا تأثير دائمي على طول الخط بفضل الإرادة الذاتية وحرية الاختيار عن إيمان عميق.

ومن روائع القرآن الكريم في الإشارة الى ذاتية الحياء لدى بنات حواء ما جاء في قصة نبي الله موسى مع ابنة نبي الله شعيب عندما وصفت الآية الكريمة طريقة مشي تلك الفتاة بأنها {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}، والآية الأخرى في سورة البقرة التي تتحدث عن العفّة بشكل عام في سياق الدعوة الى معالجة حالة الفقر لدى الرجال والنساء على حدٍ سواء؛ {لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ}، فإن لم تكن هذه الحالة النفسية موجودة لما لجأ اليها الفقراء، ويمكن الإشارة الى مثال أقوى وأكبر في قصة نبي الله يوسف مع زليخا في لحظة الإغواء الشهيرة، فقد جاء عن الإمام زين العابدين، عليه السلام، أن “امرأة العزيز” قبل أن تتقدم نحو يوسف لتنفيذ فعلتها السيئة، جاءت بقطعة قماش وغطت به وجه صنمٍ قريب لها، فسألها يوسف عن هذا العمل فقالت: “أستحيي من الصنمِ أن يرانا!

فقال لها يوسف: أتستحيين ممن لا يسمعُ ولا يُبصرُ ولا يفقهُ ولا يأكلُ ولا يشربُ، ولا أستحيي أنا ممن خلق الإنسان وعلمهُ”؟! (عيون أخبار الرضا- ج2-ص45).

ومما جاء عن أمير المؤمنين، عليه السلام، في “غُرر الحكم ودُرر الكلم” عن فضيلة العفّة لدى الانسان؛ الرجل والمرأة، ودورها تحديد الشخصية الاجتماعية؛ “العفة تضعف الشهوة”، وعنه، عليه السلام: “ثمرة الحياء العفّة”، وعنه ايضاً: “ينبغي لمن عرف نفسه أن يلزم القناعة والعفة.

فهي حالة نفسية كامنة في ذات الأنثى، كما أن الشهوة الجنسية كامنة في نفس الذكر، تبقى طريقة الاستخدام والغاية، هنا يكون الاختبار بين الاستفادة من العفّة لصياغة شخصية مُكرمة في الاجتماع، وفي الوقت نفسه؛ الإسهام بحمايته من الانزلاق الى مهاوي الشهوة الجنسية، وإطلاق العنان للشهوات والرغبات أن تهدم جدار العفة والحياء، وعندما يدعو القرآن الكريم في سورة الأحزاب، بنات حواء الى عدم إظهار المفاتن من أبدانهنّ؛ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}، فهذا تصريح واضح بوجود الحياء في نفس الأنثى عليها تفعيله خدمة لها هي نفسها بأن لا تتعرض للأذى، كما نلاحظ الدعوة الى غضّ البصر للرجال في سورة النور: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} لوجود الشهوة الجنسية الكامنة في النفس، تحتاج الى سيطرة وتنظيم حتى لا تخرج من عقالها نحو الفوضى والكوارث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى