حقيقة النشأة الدنيوية وضرورة التمحيص التكويني

يبدأ الوعي الحقيقي من إدراك ماهية “الدار” التي نزلنا بها. فالدنيا في قاموس العترة الطاهرة ليست مقرا للنعيم، بل هي ممر للعبور ودار للاختبار المليئة بالتزاحم والنقص. وقد أسس أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه القاعدة ببيان لا يقبل التأويل، قاطعا دابر كل أمل موهوم، حيث قال: «دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ، لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلَا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا».
يتوافق هذا النص العَلوي مع صريح القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ فالكبد هو المشقة والمكابدة، وهي صفة ملازمة للوجود المادي. إن توطين النفس على هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لاكتساب المناعة النفسية. كما أن الابتلاء هو المحك الفاصل بين المدعي والصادق، فإن ادعاء الإيمان في أوقات الرخاء أمر يسير، ولكن حقيقة السرائر لا تنكشف إلا عند المحن. يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
والفتنة هنا ليست بالضرورة الشر المحض، بل هي الاختبار الدقيق. وفي هذا السياق المعرفي الدقيق، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كَفَّةِ الْمِيزَانِ، كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ» وهذا يؤكد التلازم الحتمي بين عمق الإيمان وشدة التمحيص.
الابتلاء وتحطيم وثنية الأسباب المادية (الشرك الخفي)
من أخطر الآفات التي تصيب القلب البشري عند توالي النعم هي آفة (الركون إلى الأسباب). فعندما تتوفر للإنسان أسباب القوة والمال والصحة، يميل تدريجيا، ولو في مستوى العقل الباطن، إلى الاعتقاد باستقلالية هذه الأسباب في تدبير شؤونه، فينسى المسبب الحقيقي، وهو ما يعد في الرؤية التوحيدية نوعا من الشرك الخفي الذي يحجب الروح عن خالقها.
هنا تتجلى أعظم أسرار الابتلاء، حيث يتدخل اللطف الإلهي الخفي في صورة قهر ظاهري؛ ليسلب من الإنسان تلك الأسباب، أو يسلب فاعليتها أمام عينيه. فتتهاوى كل الحصون المادية التي كان يعتمد عليها، ولا يبقى أمامه إلا التعلق بالمطلق. يعبر القرآن الكريم عن هذه السنة بقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ التعبير القرآني بـ (نقص) يوضح أن الغاية هي إحداث ثغرة في جدار الاكتفاء المادي ليتسرب منها نور اليقين إلى القلب.
وتأكيدا لهذا المعنى العميق، يروي الإمام محمد الباقر (عليه السلام) حقيقة اللطف المخبوء في البلاء قائلا: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَتَعَهَّدُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَهَّدُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّةِ مِنَ الْغَيْبِ، وَيَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ» فالبلاء هنا هو تعهد ورعاية وحماية من الانغماس في مستنقع الغفلة.
تفاوت مراتب البلاء وسر معاناة الأولياء
من الإشكالات التي تطرح في ساحة الفكر الديني: إذا كان البلاء عقوبة أو كفارة للذنوب، فما سر الابتلاءات العظيمة التي تعرض لها الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) وهم سادة المعصومين المطهرين من كل دنس؟.
الإجابة عن هذا التساؤل، تغوص بنا بصائر أهل البيت في أعماق المعرفة الروحية، لتبين أن البلاء على ثلاثة أقسام: كفارة للعاصي، ودرجة للمؤمن، وكرامة للولي. إن الوعاء الروحي للأنبياء والأولياء يتسم بسعة استثنائية وحساسية مفرطة تجاه أدنى مراتب الركون لغير الله. ولأنهم في مقام الترقي المستمر في مدارج القرب الإلهي التي لا نهاية لها، فإن الله يبتليهم بأعظم المحن ليصرف قلوبهم بكليتها إليه.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) مؤسسا لهذه البصيرة: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ.
ويزيد الإمام الصادق (عليه السلام) الأمر جلاء حين يربط بين نيل المنازل العليا في الجنة وبين ضرورة تجرع كؤوس البلاء الدنيوي، فيقول: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ» وفي رواية أخرى تكشف عن عظمة النتائج الغيبية للمكاره، يقرر الإمام (عليه السلام): «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا لَهُ فِي الْمَصَائِبِ مِنَ الْأَجْرِ، لَتَمَنَّى أَنْ يُقْرَضَ بِالْمَقَارِيضِ» إن هذا النص يدمر كل رؤية تشاؤمية للمرض أو الفقر أو الفقد، ويحولها إلى فرصة استثمارية كبرى في سوق التجارة الرابحة مع الله.
المدرسة الحسينية وتجلي ذروة الابتلاء والتسليم
لا يمكن الحديث عن فقه الابتلاء في المدرسة الإمامية دون التوقف بخشوع وإجلال أمام القمة الشاهقة التي تجسدت فيها كل معاني التمحيص والرضا والتسليم، وهي (نهضة عاشوراء). إن ما جرى على سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، لم يكن مجرد حدث تأريخي مأساوي، بل كان التطبيق الأكمل والأتم للفلسفة العميقة لابتلاء الأولياء.
لقد اختار الإمام الحسين (عليه السلام) أن يواجه مرارة البلاء بأعلى درجات الوعي والاختيار، ليقدم للبشرية درسا في استقلال الإرادة الحرة عن كل ضغوط المادة. حينما نادى (عليه السلام) في أوج المحنة: «رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ» فإنه كان يعلن عن تطابق الإرادة التكوينية للإنسان الكامل مع الإرادة الإلهية.
إن عاشوراء هي البوصلة التي توجه المؤمنين في كل عصر. فعندما ينظر المؤمن إلى حجم التضحيات وعظم الرزايا التي صُبَّتْ على أهل بيت العصمة، تتصاغر في عينه كل همومه الشخصية ومحنه الدنيوية، ويستمد من صبر الحوراء زينب (عليها السلام) التي رأت الجمال الجلالي في عين البلاء فقالت: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً»، طاقة روحية هائلة تجعله جلامد لا تزحزحه العواصف.



