اراء

انقلاب أم ضياع.. تساؤلات

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..


سبحان من غيّر الأحوال من حال إلى حال .. أصوات كانت تصدح بالأمس القريب في الوطن والوطنية والثبات على المبادئ حين كان الوطن منارة للسمو والوطنية فضيلة والتمسك بالثوابت شرفا والوفاء للكلمة عنوانا للرجولة , ها هم اليوم وكأنهم انقلبوا على أنفسهم أو ربما غادروا ذواتهم دون وداع ،أم أنهم ضاعوا في متاهة الدنيا الدنية، لست أدري .. لم تعد المبادئ ميزانا للمواقف بل صارت سلعة قابلة للتفاوض تُرفع وتُخفض وفقا لقياس السعر في سوق النخاسة . إنهم لم يتنازلوا عن آرائهم فحسب بل تنازلوا عن رجولتهم وإنسانيتهم وكبريائهم وكرامتهم كاملة . كانوا بالأمس عنوانا للأمانة وهم اليوم مصداق للخيانة والانحراف . ما بين الأمس واليوم مسافة لا تُقاس بالزمن بل بحجم الضياع والخزي والعار الذي تجلى في وجوه المنقلبين المنسلخين الضائعين . إنه انقلاب ربما لكنه ليس انقلابا على الواقع بل على الذات . هو انسلاخ ، نعم انسلاخ كامل عن المبادئ والذاكرة وعن كل كلمة أو وعد قيل أمام الناس وشعارات وطنية وأخلاقية رُفعت ذات يوم . هو الضياع ، بالتأكيد ضياع في متاهة النفس الفاجرة بين التملق والتسلق واللهاث وراء السُّحت الحرام حتى أصبح بعضهم لا يعرف أين يقف لكنه يعرف جيدا أمام من يخضع ويذلّ وينحني ، لقد تغيّرت الوجوه وتبدلت الأقنعة , صار الجاكيت السبورت جزءا من الهوية الجديدة وبرزت قصاصة في أعلى الجيب كأنها شهادة حسن سلوك أو جواز عبور إلى بلاط أصحاب النفوذ . حتى اللهجة فقد انعوجت هي الأخرى . كلمات مستوردة ونبرات مصطنعة ومفردات تُنتقى بعناية حتى لا يغضب صاحب المعالي أو صاحب الفخامة والسيادة . ويا أسفي على وطن تداعى في قعر الهاوية ونهاية القائمة. يأتي بعد حسابات الحرامية وعلاقات من باعوا الهوية وأرصدة من نسوا وتناسوا وتنازلوا عن فحوى القضية . هؤلاء من باعوا الضمائر ولا يعرفون من ألف باء السياسة سوى جملة محفوظة (السياسة مصالح) والمصالح عندهم تبرر الخيانة والواقعية لديهم تبرر بيع الضمائر بالتقسيط . الصدق صار سذاجة والوفاء صار غباءً والثبات تهمة والكرامة تهورا والموقف الشريف صار ترفا لا داعيَ له ، أما الصمت عن الظلم والقبول بالذل فقد أصبح حكمة تُمنح لمن أتقن الخنوع . المؤسف والمزعج والمقرف أن المنقلبين المنسلخين الضائعين لا يشعرون بالخجل بل يقدّمون سقوطهم على أنه نضج ومراجعة ومرونة . وفي كل هذه المتاهة يبقى الصادقون الثابتون على قلّتم وغربتهم هم الحق , هم الحقيقة وكل ما سواهم هم الوهم ولا شيء غير الوهم . لأن الصادقين يملكون ما فقده الآخرون، ضميراً لم يُبع وذاكرة لم تُشوّه وموقفا لا يتبدل بتبدل زعماء الغفلة . فهل نحن أمام انقلاب على الذات أم انسلاخ من المبادئ أم ضياع تام في متاهة النفس وهل كنا مخدوعين ببعض الوجوه الشاحبة منذ البداية ؟ تساؤلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى