ثقافية

في محبة الشعر.. الشعراء حراس الأغوار

2218

صالح لبريني/ شاعر مغربي

الشعر جنون نحو معانقة المجاهيل المترامية في اللا نهائي، لذلك نجد الشاعر يسافر عميقا في أقاصي الروح، إنه سفر أورفيوسي نحو المناطق المنسية من الذات، في محاولة للتملص من الواقعي والسمو في اتجاه ما هو أسمى في الكون، أليس الشاعر صياد مجازات واستعارات وكنايات للظفر بصور شعرية تقبض على ما هو جمالي وفني في عالم مضرج بدماء ضحاياه وضاج بالخراب والموت، ومع ذلك، فالشعر دوما يبحث عما هو بهي ومتوهج في الروح، ويكشف المخفي منها، قصد مراودة الجمال والاحتفاء بالحياة.الشعر عدو الموت، الشيء الذي يجعله من مناصري الماء والسماء، وجيولوجيا الذات والكون من أجل الحفر والتنقيب عن الحياة. فلا غرابة إن وجدتم الشاعر خارج السياق وداخل المكنونات. إن الشعر ما هو إلا ترحال نحو صحراء الذات الظامئة لماء الجمال والحياة، التي غدت تربي الألم والجروح، وتحتفي بالليل وتناصر الدمار والتخريب، بدل النداء إلى الأمل وإشاعة النور، والدعوة إلى بناء حضارة جديدة قوامها الإنسان، بمعناه الممتد في تاريخ البشرية، منذ أن وجدت على هذه الأرض التواقة إلى الحياة، فنداء الشعر كامن هنا في مناشدة الصفاء الروحي والبهاء الإنساني في الإنسان، ولعل هذا الاحتفاء بالذات الشاعرة ليس سوى تجسيد لمحبة الحياة والإنسان. وطوال تاريخ الشعر الإنساني ظل الشعراء ينشدون كل ما يجعل من الكائن البشري أكثر إنسانية ورهافة وإحساسا، فلولا الشعر، الذي يتعرض، اليوم، لحرب ضروس من لدن أعداء الإنسانية، خير برهان على قيمة الإبداع الجواني النابض بالحب والإنسان والعواطف الجياشة والنبيلة.
الشعر، في عمقه الأنطولوجي، بحث مستمر ودائم عن الملتبس في الذات والكون، على عدّهما مادتي خام للعملية الإبداعية، وبهما تتشكل الهوية الشعرية للشاعر، وبدونهما لا معنى للخلق الشعري، وغوص نحو المهاوي المتخفية وراء جبال العوالم السفلى للذات، وتيه في كون يطرح سؤال الكينونة بشكل حارق ومضنٍ. هذا السؤال الأبدي هو ما يحقق الحافز الأول لمعانقة الكون في أبهى تجلياته الجمالية ومسوغاته السفرية، حيث التيه والتأمل، الإقامة في المابين، واللا إقامة في اللامحدود واللامتناهي، ومحاولة القبض على الهاوية في الكتابة والإبداع والرغبة الجامحة في اختيار الإقامة في الجحيم، من السمات العميقة للشعر الحقيقي المنبعث من حرقة الكتابة المفعمة بالأسئلة الشائكة والمحيرة والفاتنة والمدهشة، والمربكة للعالم المطوق بمتاريس الفكر التكفيري والرازح تحت ليل التطرف الممتد في شرايين العقل المنمط والموضوع في قوالب التحنيط وعبادة الماضي. الشعر، اليوم، يوجه نداءاً للاحتفاء بالخراب والموت والعدم، واللامعنى الذي يسم الحياة، وفي هذا النداء رسالة بليغة ضد كل ما يفسد حياة الحياة، ويحول الكون إلى مستنقع نتن بجثث الموتى والأحياء، الذي يحاول عبر الشعر صناعة الأمل ومناصرة الشموس المضيئة ظلمة الوجود.
إن الذات في الشعر هي ذات تائهة، هائمة، غريبة عن نفسها، مغتربة في كوامنها وفي العالم، محترقة بنيران الغربة القاسية، ذات ممحوقة بالفلسفة العدمية للفكر العالمي، في ألفية لم تجن فيها البشرية غير الويلات، الخطوب والكوارث من تقتيل وترحيل وتهجير وإبادة وتخريب، وكأن الإنسانية، في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة بين تعميم الخراب ومناصرة الحياة، تعود بلبوس جديدة إلى قديم عهدها الغابوي الملمح والممارسة، أي عودة الحيوانية المقيتة إلى الإنسان.
في الكتابة الشعرية يغدو الشاعر حارس الأغوار والأعماق، ونبيا حاملا وحي الروح إلى قبيلة الغاوين المنتسبين إلى محبة الجمال ونداء الأقاصي الغابرة، الجنود المرابطين في قلاع الوجود يدافعون عن الحق في الحياة والإبداع، عن سيرة اللغة المتوهجة بالخيال الجانح صوب المستقبل؛ في مشاكسة عميقة للحاضر واستلهام للماضي في حوارية مثمرة وذات فعالية في تثوير التجربة الشعرية، فالشعر هو نداء المستقبل للحاضر في تواشج مع الماضي، فلا يمكن إبداع نصية شعرية دون النهل من ينابيع ممتدة في مجاري الأسلاف، ومحتضنة لصوت الحاضر ومستشرفة للغد بحمولاته الوجودية، فلا جدال اليوم في الحديث عن قتل الأب، ولا مراء في القول إن الإبداع الشعري، في أصله، يشكل كلا واحدا، فالشاعر المعاصر يستحيل عليه أن يبدع من فراغ، بل لابد له من تراكمات تحصل في وعيه ولا وعيه لتشكيل وخلق نص شعري يغني الحياة الإنسانية. فالشعر الخليق بالحياة هو الذي يكون قادرا على احتضان العاطفة الإنسانية في بعدها الوجودي والجمالي.إن حقيقة الذات الشاعرة، لا تتجلى إلا عبر اللغة الشعرية الخارقة لحجب اللغة المألوفة في التداول اليومي، والمتجاوزة لبنية الجمود إلى بنية تتسم بالتكثيف والتوتر والامتداد، نحو تآويل عديدة تخصب النص الشعري وتثوره، مما يحوله إلى عوالم شعرية منسجمة مع التجربة الحياتية للشاعر، التي ما هي إلا تحويل الواقعي المعيشي، إلى واقع شعري يحبل ويصوغ هذه الحياة صوغا جماليا فنيا، يعبر عن الرؤى التي هي ضرب من عمليات التحويل الشعري الذي تخضع له العملية الشعرية في كل تجربة. فالتجربة هي الزاد الذي يزرع الحياة في المتخيل، ويجعل الخيال يحفر عميقا في التشكيل عبر اللغة، لتلك العوالم الباذخة بالصور المستقاة من اللاوعي الذاتي والجمعي في صياغة حليفة للعمق الوجودي .
والمتأمل في ما تعرفه الشعرية العربية من تهديم وتحطيم للمنجز الشعري تعبير قوي عن كون التجارب الشعرية، لابد أن تتصف بالاختلاف في التصورات، والرؤى والخلفيات الثقافية والفكرية والشعرية، وهذا من طبيعة الحياة التي لا تبقى ثابتة، بل هي الأخرى تخضع لناموس التحول، هذا المعطى دليل على حياة الشعر واستمرارية الإبداع الإنساني، الذي عرف، عبر العصور، الجنوح صوب الخلق، مما يحدث الخلخلة في البنى الفكرية والوعي الجمعي حتى تتصف الحياة بالحياة.
والشعر في مَحْتِدِهِ ميَّال نحو خرق الظاهر للغوص في مكنون الكون، والسفر في متاهاته الغامضة والمنفتحة على آفاق غير محدودة في اللانهائي، وكذلك إقامة أبدية في الهاوية الباطنية للذات، حتى تستطيع الذات بوساطته تحمُّل الحياة. هذه الأخيرة التي تحولت إلى صديقة للعدم، بفعل الشر اللسان الناطق بحال العالم، هذا الشر الذي يُحوِّل الطبيعة الإنسانية إلى طبيعة لا وجود فيها للحس الإنساني، ومن ثم أصبح سؤال الجدوى من الوجود أكثر حدة مما سبق، نظرا لما يعتور الحياة من موت محدق بالمصير الإنساني.
أليس الشعر، في أصله، محاورة تأملية وتبصرية بين الذات والواقع، هذا التبصر لا نقصد به المحاكاة والنقل الساذج للمعطى الواقعي، بقدر ما نرمي به إلى ذلك الحوار الباطني المتماهي معه، بغية إدراك مكنون الذات الكامن في الوعي الفردي والجمعي في الآن، هكذا يمخر الشعر المناطق الخفية والمسكوت عنها من/في المكنونات السرية للعالم الفردي والجماعي، إن ما يجعل الشعر في ديمومة أبدية ليس التعبير باللغة، وإنما التعبير بالبواطن المنسية وفق بنى أسلوبية تسعى للجمع بين ما هو جمالي وموضوعي، وهنا يكمن جوهر الشعر، فالذين يقولون إن الشعر غارق في نرجسية ذاتية لا يفقهون عمقه، ويعجزون فك جواهره العميقة التي تتطلب عينا ثالثة وبصيرة تستغور الأعماق، بل إن الشعر اليوم لم يعد رهين الصوت الخارجي وبتعبير آخر أصبح متمردا على أن يكون صدى للواقع، وإنما تحول إلى صوت الداخل في تناغم أصيل مع الواقع. ولا غرابة في هذا الأمر فتاريخ الشعر الإنساني مكمن شعريته في التعبير الأسمى عما هو ملتصق بالهم الوجودي والذاتي.
أعتقد أن الشعر عبادة لأداء مناسك الحياة بلغة الخيال والأحلام، والتعبير عن فداحة الشر الذي يطارد حلم الشعراء، ويقبح جمال الملكوت، وبه تستطيع الإنسانية إعادة الحياة والجمال للوجود، الذي أصبح مسربلا بالدم والخراب والموت، فالشعر ضد الليل، لذلك يسعى الشعراء إلى إضاءة هذه العتمات الوجودية بنور البهاء القولي والتعبيري والوجداني والفكري، والترحال عبر الروح التواقة إلى التحرر من قيود السأم والانحطاط القيمي في عالم متوحش، وموغل في البهيمية، والشعر ما هو، في عمقه، سوى دفاع عن البعد الإنساني في الذات والوجود.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى