المدرسة اللسانية الذهنية والنرجسية
تناقلت كتب التاريخ الأساطير، وبالوقوف عند أسطورة تتعلق بالنرجسية للحديث عن أسطورة نركسوس الذي كان غاية في الجمال والجاذبية، ولا يرى أحدا يضاهيه في الجمال، وبات يجلس قبالة النهر يتأمل صورته المنعكسة على صفحة المياه، ولفرط غروره فكر في لمس الصورة المنعكسة لصورته، فوقع في النهر ومات، ونبتت على مقربة من النهر زهرة دعيت باسمه “زهرة النرجس”.
وانسحبت الفكرة على نفسية بعض الناس، من يتأنقون في اللباس، ويهتمون في المظاهر، ويبحثون عن صور الإعجاب والتقدير من الآخرين، تضخمت عندهم الأنانية، ويتجلى الغرور في تصرفاتهم نحو الآخرين، ما دفع سيجموند فرويد الى أن يلتقط الفكرة ويسقطها على أناس يعانون من النرجسية، وبأنهم أناس لا ينسون ولا يسامحون، فهم فوق النقد والأحرى بالمناصب.
ولما حفل الأدب ومن خلال الأساطير بهذه الأفكار، تنبه لها علماء اللغة من أمثال إدوارد سابير للتحدث عن اللسانيات النفسية، أو ما أطلق عليه علم اللغة النفسي، وقد أضاف سابير البعد اللغوي إلى الأنا، وهذا ما نلحظه لدى بعض الناس الذين يرتادون المدن تراهم يلونون لهجاتهم على وفق النطق المدني لئلا تكشف اللهجة وهي عنوان الهوية موطنهم، فتسمع جرسا جديدا في كلامهم ربما يكون مشوها، فليس الكحل في العين كالكحل.
والمدارس الصوتية قد انقسمت إلى ثلاث مدارس: منها التقليدية التي تعنى بالفونيم كأصغر وحدة صوتية، إلى المدرسة الفيزيائية التي تعنى بالثنائيات الصغرى، وصولا غلى المدرسة الثالثة وهي قلب المقال الذي نحن في صدده.
فالمدرسة الذهنية ترى الصوت اللغوي صوتا مثاليا، يسعى الناطق إلى تحقيقه لكنه ينحرف بسبب تأثير الأصوات المجاورة أو التنوع اللفظي في تحقيقه، لذا نجد اللهجات التي انحرفت عن الصوت المثال الخاص باللغة التي تسعى كل لهجة للوصول إلى الهجة المثال التي تعد لغة على كل اللهجات، وإن كان القدماء قد سموا اللهجات باسم اللغات، إلا أن بعض اللهجات مذمومة، وهي التي يسعى الناطق لتحقيق الذات من خلال التخلي عنها، ليطبع بطابع التحضر.
فصوت القاف له مخرجه الذي حدده علماء التجويد بأنه نصف مفخم، مستعل، ويحتاج إلى رياضة لسانية لنطقه النطق السليم اللهوي الخاص به، لكن اللهجات تنحرف نحو الهمزة في لهجة المدن، أو نحو الكاف في منطقة معينة، أو نحو القاف التي تتقارب والجيم المصرية، وكلها أصوات تتقارب للصوت المثال الذي يسعى المتحدث للوصول إليه، والمثالية التي أودت بحياة نركسوس تنطلق من هذه الفكرة.
تماما مثلما تشاهد من يتجمل صباحا، وقد أهدته المرآة صورته التي يقتنع بها، ولكنه يبقى يحاول أن يحقق الصورة التي ينال فيها إعجاب الآخرين، فكلما شاهد بركة ماء عدل في مظهره، أو زجاج سيارة أو مرآتها، بغية الوصول إلى وضع المثال.
سلامة عودة



