إشتياق


ضياء جبيلي
وقف محمود في ظهيرة أحد الأيام وسط الشارع، راح ينظر يميناً ويساراً، وبحجة التعثّر القى نفسه في الموضع الذي يقف فيه، وبدا كأنه يبحث هناك عن اثر لشيء ما لا احد يعرفه. وكما لو انه يجس نبض الشارع، وضع أذنه على الإسفلت الحار، علّه يسمع ذلك الصوت الذي يشبه صوت ارتطام تفاحة من الجنة بالأرض. هكذا اصبح محمود سبباً في زحام السيارات المارة بذلك الشارع، فلم يكن أمام شرطة المرور سوى ازاحته بالقوة ورميه على الرصيف. لكنه عاد بعد سنوات ليفعل الشيء نفسه، فأزاحه عمال التنظيف هذه المرة وألقوه في حاوية الأزبال. في المرة الثالثة أزاحه افراد الشرطة واودعوه في الحبس، ليخرج بعدها ويلتصق بالمكان نفسه، فينتشله عدة أشخاص يرتدون صدريات بيض ويحملونه إلى المصحة. في المرة الخامسة، وقد أصبح عجوزاً خائر القوى، حملته مجموعة من فاعلي الخير إلى دار العجزة. في المرة السادسة، وقد أصبح أعمى، تكفل أولاد المدارس، الذين سبق أن تعلموا كيف يساعدون العميان في عبور الشارع، بانتزاعه من ذلك الموضع.
وما يزال هكذا حتى انتهى به الأمر إلى المقبرة.
مات محمود ودُفن معه سره الذي لم يطلع عليه احد سوى رجل كان يرافق امرأة في أحد الأيام. وبينما هما يعبران الشارع نفسه، التوى كاحل المرأة ووقعت ارضاً، وجُرحت ركبتها. ولم يمض الكثير من الوقت، حتى جاء الرجل، وكان وحيداً، ووقف في وسط الشارع، حيث وقعت امراته.
نظر يميناً وشمالاً، وبحجة التعثّر ألقى نفسه واحتضن الاسفلت.



