الإمام الخميني… رائد الوحدة الإسلامية

الشيخ الدكتور عبد الرضا البهادلي..
من أكبر الأخطاء التي وقع فيها كثير من المسلمين أنهم قرأوا الإمام الخميني رضوان الله عليه من خلال إعلام أعدائه، لا من خلال كلماته ومشروعه وفكره وتأريخه وسيرته. ولو رجعوا إلى خطاباته ورسائله وفكره لوجدوا أن أحد أهم أركان مشروعه منذ انطلاق حركته هو وحدة الأمة الإسلامية، وأنه كان يرى أن التفرقة المذهبية هي السلاح الأخطر الذي يستخدمه المستكبرون لإبقاء المسلمين ضعفاء ومتخلفين.
لقد أدركت دوائر المخابرات العالمية منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في إيران أن هذه الثورة لن تكون مجرد تغيير لنظام سياسي فاسد ظالم عميل ، بل ستقدم نموذجًا حيًا للإسلام، وتعيد الثقة إلى المسلمين بأن الإسلام قادر على إدارة الدولة، ومواجهة الاستكبار، والدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولهذا السبب شعرت تلك الدوائر أن مشروع الإمام الخميني رضوان الله عليه يشكل خطرًا على مصالحها، لأنه كان يدعو إلى جمع المسلمين، وإلى جعل فلسطين القضية المركزية للأمة ، لا أن تبقى قضية منسية في زحمة الخلافات.
ومن هنا بدأت المؤامرة الكبرى
فحُرِّك كثير من حكام العرب للوقوف بوجه الثورة الإسلامية، وسُخِّرت الإمكانيات السياسية والإعلامية والمالية لمحاصرتها وتشويهها. ولم تكتفِ القوى الكبرى بذلك، بل دفعت المنطقة إلى واحدة من أكبر الكوارث في تأريخها، وهي حرب الثماني سنوات التي شنها نظام البعث بقيادة الاحمق الأرعن صدام على إيران الإسلام ، بدعم سياسي ومالي وعسكري واسع من دول الخليج وبعض الدول العربية ، وفي ظل تأييد دولي معروف.
وكانت النتيجة كارثية…
مئات الآلاف من الارواح والضحايا والجرحى من أبناء البلدين، وخسائر مادية هائلة، ودمار اقتصادي استمر سنوات طويلة، وتعطلت طاقات الأمة التي كان ينبغي أن تتجه نحو البناء والازدهار والتقدم والنهضة وتحرير فلسطين ، فإذا بها تُستنزف في حرب مدمرة بين بلدين مسلمين ،والرابح الحقيقي هو الكيان والغرب وأمريكا.
وهذا بالضبط ما كانت تريده دوائر الاستكبار؛ أن ينشغل المسلمون ببعضهم، وأن تتحول بنادقهم إلى صدور إخوانهم بدل أن تتوجه إلى العدو الحقيقي.
ولم تتوقف هذه السياسة عند تلك الحرب، بل ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة. فوجود القواعد العسكرية الأجنبية في عدد من دول الخليج، وما تمثله من قدرة على استهداف ومحاصرة إيران، يكشف أن مشروع الهيمنة لم ينتهِ، وإنما تغيرت أدواته، بينما بقي الهدف واحدًا: منع أي قوة إسلامية مستقلة من أن تتحول إلى محور لوحدة الأمة واستقلالها.
وفي الجانب الإعلامي، فتحت دوائر المخابرات أبوابها لدعم قنوات وفضائيات وشخصيات منحرفة من الطرفين؛ شيعية وسنية، لا همَّ لها إلا إثارة الأحقاد والشتائم والتكفير والتخوين، حتى يبقى المسلم منشغلًا بعدوه القريب الذي صُنع له، وينسى عدوه الحقيقي الذي يحتل الأرض، وينهب الثروات، ويمزق البلدان.
ولو تأملنا الواقع اليوم لوجدنا أن كل دعوة صادقة إلى الوحدة تُحارَب، بينما تُفتح المنابر لكل صوت يؤجج الفتنة. وهذا وحده يكشف أن الوحدة الإسلامية مشروع يخشاه أعداء الأمة.
لقد كان الإمام الخميني رضوان الله عليه يؤمن بأن اختلاف المذاهب لا يجوز أن يتحول إلى اقتتال وتمزيق، وأن المسلمين يجمعهم القرآن، والنبي صلى الله عليه وآله، والكعبة، والقضية الفلسطينية، والمصالح الكبرى للأمة. ولذلك بقي يدعو إلى الاعتصام بحبل الله، وإلى توجيه الطاقات نحو مواجهة الاستكبار العالمي والكيان الصهيوني.
إن الأمة لن تستعيد عزتها ما دامت تسمح لأعدائها أن يحددوا لها من هو الصديق ومن هو العدو، ولن تنهض حتى تعود إلى القرآن الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وتدرك أن أعظم انتصار يحققه أعداؤها هو أن يجعلوا المسلمين يقاتل بعضهم بعضًا، ويهدرون دماءهم وثرواتهم، بينما يبقى المستكبر هو الرابح الأكبر.


