ثقافية

الميتة التي لم يتوقعها شهاب

2109

غسان عباس محسن

بعد ان خرج شهاب من منزله ذات صباح صيفي مفعم بالخوف والاضطراب، وفيما كان يتخذ طريقه المعتاد الذي يوصله الى مكان عمله، كانت حالته النفسية قد وصلت الى أسوأ مستوياتها، ذلك انه تشاجر قبل خروجه من المنزل مع زوجته التي طلبت منه مالا إضافيا لسد نفقات الأسرة الصغيرة، بعد ان صارت الأسعار ترتفع بشكل مهول لترفع معها معاناة وهموم الفقراء ممن هم على شاكلة شهاب. وفيما كان يفترض بإنسان طبيعي ان يقطع طريقه الى العمل وهو يشعر بالتفاؤل ويحاول ان يكون إيجابيا اخذ هذا الرجل يفكر كالمتشائم في اكثر من طريقة قد يموت بها، ذلك ان اليأس قد عشش في قلبه وهيمن الخوف على كيانه وفكره بعد كل تلك الحروب والأحداث المروعة التي شهدها طوال سنوات عمره المترعة بالمآسي والحرمان. ففكر في اول الامر في ان تدهسه سيارة مجهولة تنطلق بسرعة جنونية وذلك ما جعله يبطئ عند عبوره الشارع ويلتفت يميناً وشمالا وهو يفعل ذلك، ثم فكر في ان يقوم احدهم بإطلاق النار على رأسه من مسدس واختلق لإقناع نفسه بذلك أسبابا كثيرة في رأسه التي ازدحمت فيها الافكار السلبية كغيوم سوداء بدا وكأن اي ريح كانت تعجز عن تفريقها في تلك اللحظات، فصار يسير منعزلا وبعيدا عن كل الناس الذين من حوله، ثم فكر شهاب في ان يقوم إرهابي ما بتفجير سيارة مفخخة على مقربة منه ما قد يتسبب بموته في الحال، لذلك ابتعد عن كل سيارة قد تصادفه في الطريق وابتعد كذلك عن الشارع الذي كانت تمر فيه مختلف انواع السيارات، ثم فكر في ان يقوم احد ما بطعنه بسكين لسرقة ما بجيبه من مال، برغم انه لم يكن يحمل الا القليل، فأطبقت كفه على المحفظة المتهرئة التي كانت في جيبه وصار يتلفت كالمذعور بين الفينة والاخرى، وكأن الطعنة المتوقعة قادمة لا محالة، فصار يهرول نحو الدائرة التي كان يعمل فيها وكأنه تصورها في تلك اللحظات الملاذ الذي سيخلصه من كل الوساوس القاتلة والمدمرة، فاقترب منها وهو لما يزل يلتفت ثم دخل على عجل وهو يلهث واتكأ على جدار قريب ليلتقط انفاسه. وبعد ان رفع رأسه لمح مسؤوله في العمل واقفاً على مقربة منه، فاستبشر خيرا، ذلك انه ظن بانه سينشغل بالعمل اخيراً فيبتعد عن كل تلك الوساوس، لكنه فوجئ عندما تحدث إليه مسؤوله وقال له: لقد استغنت الدائرة عنكم يا شهاب، تستطيع العودة للمنزل الان!!
وعبثا حاول شهاب ان يبقى هناك او ان يتشبث بأي امل عسى ان تفلح توسلاته بمسؤوله كي يسمح له بالعودة للعمل، لكنه وجد نفسه اخيرا وهو يضطر للعودة الى ذلك الشارع نفسه الذي جاء منه، ولكن كان عليه ان يسير وحيدا هذه المرة مع مخاوفه المرّة ووساوسه القاتلة. وما ان خطى عدة خطوات حتى ضاقت الارض به واختنقت انفاسه وصار يدور كالمجنون حول نفسه الى ان سقط هناك وحيدا وسط الشارع وسط دهشة المارين الذين صاروا يتجمعون حوله، ليشهدوا الميتة التي لم يتوقعها شهاب حتى لحظاته الاخيرة في الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى