اراء

السيد القائد.. الرجل الذي تحدّثت عنه القلوب قبل الكلمات

بقلم/ محمد صادق الحسيني..


عندما أشاهد هذا التشييع، وأرى الملايين يودّعون هذا الرجل بكل هذا الحب والوفاء…
لا أرى مجرد جنازة قائد.
بل أرى حياةً كاملة تعود إلى صاحبها في لحظة واحدة.
أرى سنواتٍ من الصدق، والثبات، والتواضع، والزهد، والإيمان بما حمله، تتحول إلى دموعٍ صادقة في عيون الناس.
وأجد نفسي أسأل سؤالًا واحدًا…
كيف يستطيع إنسان أن يترك وراءه كل هذا الحب؟
من منّا لا يتمنى، عندما يرحل يومًا، أن يُودَّع بهذا القدر من الوفاء؟ أن يبكيه الناس لأنهم أحبوه، لا لأنهم عرفوا اسمه فقط؟
وأعتقد أن الجواب لا يكمُنُ في السلطة، ولا في النفوذ، ولا في القوة.
بل في الإنسان نفسه.
في تواضعه الذي لم تغيّره المناصب.
وفي زهده بالدنيا رغم أنه كان يستطيع أن يعيشها كما يشاء.
وفي رجلٍ بقي، كما عرفه محبوه، قريبًا من الناس، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يتركه من أثر.
فالناس قد تُعجب بالقوة…
لكنها لا تمنح قلوبها إلّا لمن ترى أنه يعيش ما يقول.
ولذلك، لم يتعلق الناس بمنصبه…
بل بأخلاقه.
وبثباته.
وبصدقه.
وبوفائه لما آمن به.
ولم يكن، في نظر محبيه، يحمل مشروعًا سياسيًا فحسب…
بل كان يحمل رؤيةً للحياة.
كان يدعو الإنسان إلى أن يبدأ بإصلاح نفسه قبل أن يطلب إصلاح العالم، وأن يبني علاقته بالله، وبنفسه، وبالناس على الصدق، والرحمة، والعدل.
وكان يرى أن المجتمعات لا تُبنى بالكراهية، بل بالمحبة، ولا بالفُرقة، بل بالوحدة، ولا بالظلم، بل بالعدل.
كان يريد للإنسان أن يعيش سلامًا حقيقيًا…
سلامًا مع الله.
وسلامًا مع نفسه.
وسلامًا مع الناس.
وفي الوقت نفسه، كان يؤمن، كما يراه مؤيدوه، بأن الكرامة لا تُحفظ بالكلمات وحدها، بل بالموقف، وأن الشعوب لا ينبغي أن تبقى أسيرة الخوف أو التبعية.
ولهذا وقف، بحسب قناعته، إلى جانب من رأى أنهم يدافعون عن أوطانهم وكرامتهم، لأنه كان يعتبر نصرة المظلوم مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.
وربما لهذا السبب تجاوز حضوره حدود بلاده.
فلم يعد، بالنسبة إلى محبيه، قائدًا لإيران فقط…
بل أصبح قائدًا للأحرار، ورمزًا للعزة، والثبات، ورفض الخضوع.
نعيش في عالمٍ يعتاد فيه كثيرون رؤية الظلم حتى يصبح أمرًا مألوفًا.
ومن يختَر الصمت، فذلك خياره.
أما أنا…
فلا أستطيع أن أتعايش مع فكرة أن أرى ظلمًا ثم أعتبره أمرًا طبيعيًا.
وسأبقى مؤمنًا بأن الكرامة تستحق أن تُصان، وأن الحرية تستحق أن يُدافع عنها، وأن الوقوف إلى جانب ما أراه حقًا واجبٌ أخلاقي قبل أي شيء آخر.
يا سيدي…
قد يختلف الناس حول السياسة، وقد تختلف قراءاتهم للتأريخ.
لكن الإنسان الذي يرحل وتبكيه كل هذه القلوب، لا بد أنه ترك أثرًا لا يُقاس بالكلمات.
رحلتَ…
لكن الأفكار الصادقة لا ترحل.
والمبادئ التي تُروى بالتضحية لا تموت.
ستبقى، في نظر محبيك، رجلًا عاش كما آمن…
وسيدًا لم يساوم على مبادئه مهما اشتدت العواصف…
وعظيمًا لأنك لم تبحث عن أن يخلّد التأريخ اسمك، بل سعيتَ، كما يراك محبوك، إلى أن تبقى الكرامة حيّة في نفوس الناس.
ولهذا سيبقى اسمك حاضرًا في ذاكرة من أحبّوك، ما بقي في هذا العالم من يؤمن بأن الإنسان خُلق حرًا، وأن الكرامة تستحق أن يُضحّى من أجلها.
هنيئًا لك بكل هذا الحب الذي رأيناه اليوم…
وهنيئًا لنا أننا عرفنا رجلًا ترك أثرًا سيبقى أطول من عمره.
هنيئًا لنا بك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى