اخر الأخباراوراق المراقب

ما بين السيد والإمام علاقة لا تُدرك بالوصف

فاطمة سلامة..

منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها عن استشهاد الإمام القائد السيد علي الخامنئي، سارع كثيرون إلى القول: ماذا لو كان سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله حاضرًا، وسمع بهذا المصاب الجلل؟ كيف كان سيتلقى هذا المصاب؟ كم كان سيكون النبأ عظيمًا على قلب سيد المقاومة؟.

الأسئلة المذكورة ليست وليدة العاطفة العابرة، بل نابعة من إدراك حجم العلاقة الاستثنائية التي جمعت السيّد والإمام على امتداد عقود. علاقة صاغتها الثقة المتبادلة، ووحّدتها المبادئ، ورسّختها ميادين الجهاد والمواقف الصلبة. فقد كان السيد نصر الله يرى في الإمام الخامنئي قائدًا ومرجعًا، فيما كان الإمام ينظر إلى السيّد الشهيد باعتباره قائدًا استثنائيًا حمل راية المقاومة بإيمان راسخ، حتى غدا اسمه مقرونًا بالعزة والثبات.

وقد لخّص الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم، قبل أشهر، هذه العلاقة الاستثنائية، كاشفًا عن بعدها الوجداني والتنظيمي والروحي، فقال: ” كان سماحة السيد الأسمى (رض) ذائبًا في حبّ الإمام القائد الخامنئي (دام ظله)، ويترقب منه كل كلمة، متابعًا ومحلِّلًا ومستفيدًا منها، ومكرِّرًا لها أمام الإخوة والجمهور أحيانًا، وكان القائد يبادله الحب والقناعة بالدور والأهلية والمكانة التي تميز بها سماحة السيد حسن (رض)“.

 كما أشار الشيخ قاسم إلى أنّ “ثقة القائد الخامنئي بالسيد مطلقة، برجاحة عقله وخبرته وصحة مواقفه، وقد كانت بينهما أعلى درجة من العلاقة الإيمانية والجهادية والعملية“.

وتعود البدايات الأولى للتواصل القريب والمباشر بين الإمام والسيد إلى العام 1986، حيث أتيحت للسيد نصر الله فرص اللقاء المتكرر بسماحة الإمام الخامنئي، الأمر الذي شكّل محطة أساسية في فهمه العميق لشخصيته ومنهجه. وقد قال السيد نصر الله في هذا السياق: “إن معرفتي الشخصية والمباشرة عن قرب بسماحة الإمام الخامنئي تعود إلى العام 1986، حيث أتاحت لي اللقاءات الكثيرة أن أتعرف إلى الكثير من أفكاره وآرائه ومبانيه وطريقة تفكيره وتحليله للأحداث، ومنهجه في القيادة والإدارة واتخاذ القرار، فضلًا عن المواصفات الأخلاقية الرائعة التي يتحلى بها“.

ولم تكن هذه المعرفة مجرد إدراك فكري أو سياسي، بل تحولت إلى ارتباط وجداني عميق، كان يعبّر عنه السيد نصر الله في مجالسه الخاصة بكلمات تختصر حجم هذا الارتباط، إذ كان يقول لمن حوله: “ربي ياخد من عمري ويُعطي السيد القائد”، في تعبير صادق عن مستوى المحبة والوفاء والإخلاص في العلاقة التي جمعته بالإمام.

ومن هنا، لم تكن العلاقة بينهما مجرد صلة بين قائدين، بل كانت نموذجًا للأخوّة ولوحدة النهج والهدف، ورابطة صنعتها التضحيات قبل الكلمات، وخلّدها الوفاء قبل كل شيء. وفي هذا السياق، وصف السيّد الأسمى الإمام قائلًا: “من معرفتي، وبعد متابعتي، وبعد الاطلاع على الكثير من الشهادات، نستطيع القول إننا بين يدي إمام عظيم في القيادة والتقوى والفقه والاجتهاد. إننا بين يدي إمام يملك رؤية شاملة وعميقة ومتينة قائمة على أسس متعددة: أولًا المباني الفكرية، ثانيًا معرفة الحاجات والمشاكل، ثالثًا معرفة الإمكانيات المتاحة، رابعًا معرفة الحلول المناسبة والمنسجمة مع الأصول والأسس. ولذلك نجده يقارب كل الأحداث والتطورات والموضوعات بوضوح وعمق انطلاقًا من هذه الرؤية الشاملة، ومع كل الشرائح التي يلتقيها وعلى اختلاف تخصصاتها، ستجد أنك أمام قائد يحيط بالموضوع إحاطة العارف حتى بالتفاصيل، ويتحدث فيه كصاحب اختصاص ويقدم فيه رؤية جديدة“.

بالموازاة لا تزال كلمات الإمام في حق سماحته حيّة حين قال بعد استشهاده: “أخي وعزيزي ومبعث افتخاري واللسان البليغ لشعوب المنطقة ودرّة لبنان الساطعة”. ولم يكن وصفه بـ”درّة لبنان الساطعة” مجرد تعبير أدبي، بل شهادة تختصر مكانة السيد الشهيد في وجدان الإمام، وتعكس حجم التقدير الذي حظي به على المستويين القيادي والإنساني.

أما الحزن على سيّد المقاومة، فقد وصفه الإمام بأنه “من سنخ عزاء سيّد الشهداء الإمام الحسين (ع)”، وذلك في تعبيرٍ يعكس عمق المصاب وعظمة الفقد، ويكشف عن المكانة الاستثنائية التي احتلّها السيد الشهيد في وجدانه.

وفي بيان النعي الذي توجّه فيه الإمام إلى الأمة الإسلامية العظيمة، وصف السيد بالمجاهد الكبير، ورافع راية المقاومة في المنطقة، والعالم الديني الفاضل، والقائد السياسيّ المدبّر. كما وصفه بسيّد المقاومة العزيز الذي تلقى ثواب عشرات الأعوام من الجهاد في سبيل الله، وتحمّل صعوباته خلال معركة مقدّسة، وقد استُشهد بينما كان منهمكًا بالتخطيط للدفاع عن الناس العُزّل في ضاحية بيروت، وبيوتهم المهدّمة، وأعزّائهم الذين تقطّعوا إربًا إربًا.

وفق الإمام الخامنئي فقَد العالم الإسلامي شخصيّة عظيمة، وفقدت جبهة المقاومة رافع راية بارزًا، وفقد حزب الله في لبنان قائدًا قلّ نظيره، لكنّ بركات تدبيره وجهاده على مرّ عشرات الأعوام لن تنتهي أبدًا. واعتبر الإمام أنّ الأساس الذي أرساه السيّد في لبنان، ووجّه من خلاله سائر مراكز المقاومة، لن يقتصر على عدم زواله بغيابه فحسب، بل سيزداد قوّة وصلابة ببركة دمائه ودماء سائر الشهداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى