في ذكرى عاشوراء.. هل سألنا أنفسنا ؟

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
تُطل علينا ذكرى عاشوراء كربلاء في كل عام حاملة معها حزنا سرمديا متجددا لا يبليه الزمن وعبرة مؤطرة بعاطفة جياشة تتدفق في القلوب والدموع . ها هي الملايين ترتدي السواد وتعلو الأصوات بالبكاء وكل ما يدل على الحزن المكنون من هول الفاجعة التي حالت بآل محمد صلى الله عليه وآله . تتحول المدن إلى ساحات خدمة مفتوحة فهذا يقيم موكبا وذاك يخدم أو يطعم زائرا وآخر يمشي مئات الأميال على الأقدام صوب كربلاء الطف تعبيرا عن الولاء والانتماء . لكن خلف هذه المظاهر الوجدانية الكبرى وخلف هذه العواطف الصادقة المحاطة بالنبل والكرم والسخاء ، هناك مساحة غائبة تحتاج منا اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى وجوب مصارحة الذات . إن الإمام الحسين (عليه السلام) خرج بوجه الطاغية الأموي ثائرا ضد الظلم والنفاق فلم يكن طالبا لسلطة ولا باحثا عن مغنم بل لخَّصَ هدف حركته بكلمات خالدة تربعت على وجه التأريخ (إني لم أخرج أشرا ولا بطًرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي . ) . من أجل هذا الإصلاح قدم الحسين كل ما يملك . قدّم نفسه الزكية وقدم أولاده وإخوته الأطهار وأصحابه الأبرار على مذبح الحرية والكرامة. واجه جيشا جرارا مدججا بالسلاح والحقد والجهل والإنكار ليثبت أن المبادئ لا تُباع ولا تُشترى وأن الحق لا يُساوم عليه . نحن اليوم في مواجهة مع واقعنا وأسئلة المواجهة مع الذات . السؤال الذي يفرض نفسه بقوة وإلحاح ويوجّه إلى كل عاشق للحسين عليه السلام بكى ولطم الصدر ، إلى كل من مشى وزار وخدم ، إلى كل من أقام موكبا وأكرم وأعطى . إلينا نحن جميعا بلا استثناء بعد ألف وأربعمائة عام من ثورة الإصلاح للإمام الحسين عليه السلام هل نحن اليوم صالحون ؟ هل نقيم صلاتنا بشروطها ونصوم شهرنا الفضيل ونؤدي شعائرنا بدقة بما يستلزمه نقاء النفس ومحاسبة الذات ؟هل نعرف الحسين حقا ؟ هل نحن مخلصون وأوفياء لأماناتنا ، اعمالنا وكل رعية مناطة بنا أم أن التسويف والتهرب والتجاهل هي أسياد الحال …؟ في دوائر الدولة هل برئت ذمتنا من الرشوة تحت مسميات الهدية أو تسهيل الأمر أم أصبحت سجية لنا وبديهية عندنا وجزءا من نظامنا اليومي ؟ هل نحن صادقون لا نكذب أم صار الكذب ملح مجالسنا ووسيلتنا للنجاة والمتاجرة ؟ هل ما زلنا نخجل من العيب إن حصل ونستحيي من الخطأ إن وقع أم تبلدت الأحاسيس وصار المنكر معروفا والمعروف منكرا؟ عندما نتأمل واقعنا نجد انفصاما حادا لدى البعض بين عاشوراء الشعيرة في الأداء والحضور وعاشوراء السلوك في العمل والمفردات اليومية . فكيف يستقيم أن يبكي المرء على من قُتل مظلوما وقدم أهله واصحابه على منحر الحق ولا شيء غير الحق وهو يظلم معيته في العمل ويبتز من يراجعه من الناس كما يظلم زوجته وعياله أو جاره وكل من كان أمره بين يديه ؟ كيف يستقيم أن يخدم في موكب حسيني ثم يعود إلى وظيفته ليمارس الفساد أو يسرق قوت الناس؟ إن الحسين (عليه السلام) لم يستشهد لكي نكتفي بالبكاء عليه وتوزيع الطعام باسمه فتلك أعمال مأجورة بالثواب وفق النوايا لكن السبط أبا الأحرار استشهد لنقتدي به . لنكون حسينيين في العمل والعبادة ومفردات حياتنا من الألف حتى الياء . البكاء عاطفة نبيلة وشحن للروح لكنه وسيلة للاستيقاظ وليس غاية بحد ذاته. إن لم تُغيّرنا عاشوراء من الداخل وإن لم تهز ضمائرنا لنكف عن أكل الحرام وعن الغش وعن النفاق اليومي فإننا لم نفهم من كربلاء سوى قشورها ولم نحزن على الحسين كما يريد الحسين أن نحزن عليه وهو القائل عليه السلام ( إلهي ماذا وجد من فقدك , وما الذي فقد من وجدك ) . لقد أرادنا الحسين أمة حية عزيزة كريمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتبدأ بإصلاح نفسها أولا لتكون مؤهلة لإصلاح المجتمع . بعد أن تنتهي المراسم ويهدأ صدى الرواديد وتنتهي ملحمة زيارة الأربعين العظيمة ويُرفع السواد عن الجدران , يبقى السؤال الحقيقي معلقا في ضمير كل واحد منا، سؤال يقتضي شجاعة قصوى للإجابة عنه . إذا كنا قد عجزنا أو قصرنا في أن نكون صالحين في سلوكنا اليومي وشؤوننا الصغيرة فهل نحن اليوم مصلحون ؟ هل نملك الحق في أن نرفع راية الحسين الإصلاحية ونحن نساهم بوعي أو بدون وعي في تخريب مجتمعاتنا وأخلاقنا وهدم المنظومة القيميةّ في مجتمعنا؟ عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام ليست ذكرى للتأريخ بل هي مدرسة خالدة للأجيال ومرآة للحاضر، فماذا نرى في المرآة ؟ والسلام.



