لوحة كاظم علي.. شيء من الحسين (ع) السائر في ذاكرة الأجيال

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..
ليس كل ما يُحمل يُرى، فهناك أحمال لا تستقر فوق الأكتاف، بل تمضي في الأعماق، وتكبر كلما حاول الزمن أن يخفف وطأتها. هناك أحزانٌ تنتقل من جيلٍ إلى جيل، وهي حكايةً عن الماضي، بل وأمانة ثقيلة يحملها القلب، ويواصل بها الطريق، من هذه الفكرة يفتح الفنان كاظم علي باب لوحته على كربلاء، لا يستدعي الطف من خلال مشهدٍ مألوف، ولا يذهب إلى سرد الواقعة كما تحفظها الذاكرة، بل يختار أن يصغي إلى ما بقي بعدها، إلى الجموع التي حملت الحزن، وإلى الوجوه التي عبرت بها الفاجعة حتى وصلت إلينا.
في فضاءٍ تغلب عليه العتمة، تتزاحم الشخصيات كأنها موجةٌ بشرية خرجت من عمق التأريخ. تتقارب الأجساد، وتختلط الظلال، وتغيب الملامح أحياناً، لكن الحزن يظل واضحاً، لأن بعض المشاعر لا تحتاج إلى وجه كي تُعرف، وفوق الرؤوس تظهر الزنابيل بلونها الذهبي، تفاصيل من الحياة اليومية، بل رموزاً محمّلةً بأسئلة كثيرة، ما الذي تحمله هذه الزنابيل؟، هل تحمل بقايا رحلةٍ طويلة؟ أم تحمل انتظاراً لم يكتمل؟ أم أنها تحمل ذلك العطش الذي لم يعد ماءً غاب عن الشفاه، بل صار جرحاً يسكن الذاكرة؟.
يترك الفنان الإجابة معلقةً بين الضوء والعتمة، فاللون الذهبي يضيء اللوحة بل يقطع سوادها مثل ومضةٍ جاءت من مكان بعيد، إنه لونٌ يحمل مفارقةً مؤلمة يبدو دافئاً، لكنه لا يمنح الطمأنينة. يلمع، لكنه لا يبدد الحزن. وكأن الفنان أراد أن يقول إن الضوء نفسه قد يحمل وجعاً، وإن بعض الأشياء تضيء لأنها امتلأت بما لا تستطيع الروح أن تخفيه.
أما السواد الذي يحيط بالشخصيات، لوناً للحداد، بل فضاءً تتجمع داخله الأصوات والذكريات، إنه ظلامٌ لا يغلق اللوحة، بل يمنحها عمقاً، ويجعل الشخصيات كأنها خارجة من زمنٍ لا ينتهي.
في هذا العمل، لا تقف النساء متلقيات للحزن، بل يظهرن حاملاتٍ للذاكرة، إنهن لا يسرن خلف واقعةٍ انتهت، بل يحملنها إلى الأمام، وكل زنبيل فوق رأس يبدو كأنها وعاءٌ للزمن تحفظ ما لا تريد الذاكرة أن تفقده، وتنقله من قلبٍ إلى قلب. لقد حملت الزنابيل ما عجزت الكلمات عن حمله. وحملت الرؤوس ما أثقلته الدموع. أما اللوحة، فقد حملت كل ذلك إلى اللون. وهكذا لا نخرج من عمل كاظم علي ونحن نعرف ما الذي في الزنبيل بل ونحن نشعر أن شيئاً منها استقر في داخلنا. شيءٌ من العطش. شيءٌ من الحزن، وشيءٌ من الحسين (ع) الذي لم يبقَ في كربلاء، بل ظل يسير في ذاكرة الأجيال.
وهنا تتحول اللوحة إلى سؤال: كيف تستطيع الذاكرة أن تحمل كل هذا الألم، ثم تواصل السير؟ ربما لأن كربلاء لم تكن حدثاً يخص زمناً واحداً، لقد خرجت من التأريخ لتصبح معنى، ولهذا لم يرسم كاظم علي لحظةً من الطف، بل رسم امتدادها. رسم الحزن وهو يتحرك، والذاكرة وهي تعبر، والإنسان وهو يحمل ما لا يُرى.
إن الشخصيات في اللوحة لا تبدو متجهةً إلى مكان محدد، إنها تمضي داخل الحكاية نفسها، كأن الطريق الذي بدأ في كربلاء لم ينتهِ بعد. وفي هذا الامتداد تكمن قوة العمل فالفاجعة لا تتحول إلى صورة جامدة، بل إلى حركةٍ مستمرة، وإلى ذاكرةٍ لا تقبل أن تُغلق داخل الماضي. ولعل أجمل ما في اللوحة أنها لا تجعل الحزن نهاية، فوسط السواد، تظل الألوان الذهبية حاضرة، لأنها وعد خافت بأن ما حُمِل من كربلاء لن يضيع.



