اخر الأخباراوراق المراقب

الطوفان العاطفي.. حين يغرق الإنسان في انفعالاته

يمرُّ الإنسان في حياته اليومية بحالات متكررة من الغضب، الحزن، الخوف، القلق، الإحباط، أو الشعور بالخذلان وهذه الانفعالات في أصلها ليست مشكلة، بل هي جزء من البنية النفسية الطبيعية التي تساعد الإنسان على فهم ذاته والتفاعل مع العالم. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول العاطفة من إشارة داخلية قابلة للفهم والتنظيم إلى موجة جارفة تفقد الإنسان قدرته على التفكير الهادئ، والاستماع، والتواصل، واتخاذ القرار. هنا يظهر ما يسمى في الأدبيات النفسية المعاصرة بـ«الطوفان العاطفي».

الطوفان العاطفي ليس مجرد انفعال عابر، ولا هو غضب عادي، ولا حزن طبيعي، ولا توتر مألوف. إنه حالة من الغمر النفسي والجسدي، يشعر فيها الإنسان كأن جهازه الداخلي خرج عن السيطرة، وكأن عقله الواعي انسحب مؤقتاً من الموقف، تاركاً الجسد يتصرف بمنطق النجاة: القتال، الهروب، أو التجمد. لذلك قد يقول الإنسان كلاماً لا يريده، أو ينسحب بصمت قاسٍ، أو ينفجر على نحو لا يتناسب مع الحدث، أو يشعر بالعجز عن شرح ما يجري داخله.

وتزداد أهمية هذا المفهوم اليوم في ظل تصاعد الضغوط النفسية، وتسارع الحياة، وكثرة المثيرات الرقمية، وضعف مهارات التواصل، وتراكم القلق، وازدياد هشاشة العلاقات الأسرية والاجتماعية. فالكثير من الصراعات لا تفشل بسبب غياب الحلول، بل بسبب دخول أحد الأطراف أو جميعهم في حالة طوفان عاطفي تجعل الحوار مستحيلاً. وحين يغرق الإنسان في الطوفان، لا يعود يسمع المعنى، بل يسمع التهديد؛ ولا يرى الطرف الآخر شريكاً في النقاش، بل خصماً أو خطراً؛ ولا يتعامل مع المشكلة بحجمها الحقيقي، بل من خلال ذاكرة الألم والخوف والدفاع.

من هنا تنبع إشكالية هذا البحث: كيف يتحول الانفعال الطبيعي إلى طوفان عاطفي؟ وما الأسباب النفسية والعصبية والاجتماعية التي تقف وراءه؟ وما مظاهره ونتائجه؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتعلم إدارته والتحكم به قبل أن يتحول إلى نمط يدمّر العلاقات ويضعف الصحة النفسية والجسدية؟

الطوفان العاطفي هو حالة من الانفعال الشديد الذي يتجاوز قدرة الإنسان على التنظيم الذاتي، فيغمر وعيه وجسده معاً، ويجعل التفكير العقلاني والتواصل الهادئ أكثر صعوبة. وبعبارة أخرى، هو لحظة يفقد فيها الإنسان التوازن بين جهازه العاطفي وجهازه التنفيذي؛ فتندفع العاطفة بقوة، بينما تتراجع القدرة على التفسير، والمراجعة، وضبط السلوك.

وقد ارتبط المفهوم بشكل خاص بأبحاث عالم العلاقات جون غوتمان، الذي استخدمه لوصف حالة من الاستثارة الفسيولوجية الشديدة أثناء النزاعات، ولا سيما بين الأزواج. ففي لحظة الطوفان، لا يكون الإنسان فقط «منزعجاً»، بل يصبح جسده في حالة تأهب كاملة. ترتفع دقات القلب، يتسارع التنفس، تتوتر العضلات، تضيق زاوية التفكير، ويتحول الموقف في الدماغ إلى تهديد. لذلك يصبح من الصعب على الشخص أن يسمع الطرف الآخر أو يفهم مقصده أو يقبل الاعتذار أو يناقش الحلول.

والفرق الجوهري بين الطوفان العاطفي والانفعال العادي هو الفرق في الدرجة والوظيفة. ففي الانفعال العادي يستطيع الإنسان أن يقول: «أنا غاضب»، «أنا حزين»، «أنا متوتر»، لكنه يبقى قادراً على التفكير، والتفاوض، والاعتذار، والتمييز بين النية والفعل. أما في الطوفان العاطفي، فتنخفض هذه القدرة بشدة، ويشعر الإنسان كأنه «مخطوف» من انفعاله. إنه لا يملك المسافة الكافية بين الشعور والاستجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى