اخر الأخباراوراق المراقب

السائرون إلى الغدير.. من هو الشيعي حقًا؟

مرتضى معاش..

لا نعرف في كثير من الأحيان، قيمة يوم الغدير كما ينبغي أن يُعرف. فهذا اليوم ليس يومًا عابرًا في التأريخ، ولا مناسبة نُحييها بالعاطفة ثم نمضي، بل هو من أعظم أيام الله تعالى، ومن أعظم المحطات في تأريخ الرسالة الإسلامية؛ لأنه اليوم الذي ارتبط بإكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الله تعالى بالإسلام دينًا.

قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

هذه الآية الكريمة تفتح لنا باب الفهم الحقيقي، فالغدير ليس مجرد يوم احتفالي، ولا ذكرى تأريخية نعود إليها في كل عام، بل هو نعمة كبرى ومنهج حياة وطريق إلى الفوز، ومدرسة لبناء الشخصية، وربط الولاية بالعمل والحب بالمسؤولية والانتماء بالسلوك.

فالنعمة لا تكتمل إلا بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، لا بمعنى الولاية اللفظية أو العاطفية وحدها، بل بمعنى الولاية التي تتحول إلى طريق مستقيم وسلوك عملي، وبناء للذات وتزكية للنفس، وموقف من الحق والباطل.

ومن هنا فإن السؤال المركزي في هذا الموضوع ليس فقط: ماذا جرى في يوم الغدير؟ بل: ماذا يريد الغدير منا اليوم؟ ومن هو الإنسان الذي يصدق عليه أنه شيعي حقًا؟ هل الشيعي هو من يعلن الحب والولاء فقط؟ أم هو من يجعل هذا الحب طريقًا للعمل، وهذا الولاء مسؤولية، وهذا الانتماء التزامًا يوميًا يظهر في الصدق والأمانة والعدل والرحمة والورع وكف اللسان وخدمة الناس؟

إن الغدير هو طريق النعمة والفوز والحياة الصالحة، ومن أراد أن يسير إلى الغدير حقًا، فعليه أن يسير إلى علي عليه السلام لا بشعاره فقط، بل بقلبه وعقله وضميره وسلوكه وعمله.

الغدير مشروع حياة

الغدير هو منهج متكامل وأسلوب حياة، وطريق الشخصية المؤمنة التي تبحث عن الطمأنينة والاستقرار الإيماني واليقين والارتقاء والوصول إلى أعظم النعم الإلهية.

فالإنسان في داخله يبحث دائمًا عن هذه المعاني، والتي لا يصل إليها إذا ضل الطريق وانحرف عن المسار. لذلك جاء الغدير ليحدد الطريق، وليقول للإنسان: إن الطريق إلى الله عزوجل والحق والحياة الصالحة، هو ولاية الإمام علي وأهل البيت عليهم السلام.

وقد ورد في القرآن الكريم: (وَأَنْ لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا).

والطريقة في الآية هي طريق أهل البيت عليهم السلام، طريق أمير المؤمنين علي عليه السلام، طريق الاستقامة على الحق. فمن استقام على هذا الطريق وصل إلى الماء الغدق والنعمة الكبرى، وفائض الحياة الكريمة.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: (يَعْنِي لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ والأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِه (عليهم السلام) وقَبِلُوا طَاعَتَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً يَقُولُ لأَشْرَبْنَا قُلُوبَهُمُ الإِيمَانَ والطَّرِيقَةُ هِيَ الإِيمَانُ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ والأَوْصِيَاءِ).

ومن ابتعد عن قيم هذا الطريق في العدل والصدق والرحمة والطهارة والإنصاف، ابتعد بمقدار ذلك عن روح الغدير.

وهذا ما نراه في عالم اليوم؛ عالم يعيش القلق والاضطراب والإرهاق الروحي، لأنه ابتعد عن منهج الهداية، وعن طريق النعمة، وعن ذلك الماء الزلال الذي يشفي القلوب، ويسكن الصدور، ويمنح الإنسان الاطمئنان واليقين.

ولذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم الغدير الحقيقة بكلمات جامعة، فقال: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”.

وهذا الحديث ليس مجرد إعلان عاطفي أو مجرد بيان تأريخي، بل هو إعلان كامل للقضية.، فقد اختصر النبي صلى الله عليه وآله القضية كلها بهذه الكلمات. حين جعل الإمام عليًا عليه السلام محور الولاية، ومحور الهداية، ومحور السير والمسار بعده.

الولاية مسؤولية.. والحب الحقيقي التزام

لابد أن نفهم معنى الولاية فهمًا صحيحًا. الولاية لا تعني مجرد أن أقول: أنا أحب الإمام عليًا عليه السلام. ولا تعني مجرد أن أفرح في يوم الغدير. ولا تعني أن أرفع شعار الولاء ثم أعيش بعيدًا عن مقتضياته.

الولاية تعني أن أتولى، أي أن أتابع، وأطيع، وألتزم، وأكون مسؤولًا. فالولاية مسؤولية وعمل وعقد بين المُوالي وصاحب الولاية.

فكما أن الإنسان إذا دخل في مؤسسة بعقد، فإنه يلتزم بقانونها، وشروطها، ونظامها، ومسؤولياتها وطاعة مديرها، كذلك بيعة الولاية هي عقد إيماني وأخلاقي. من يبايع عليًا عليه السلام لا يبايع اسمًا فقط، بل يبايع منهجًا وعدلًا وزهدًا وتقوى وطهارة وشجاعة ورحمة.

ومن يتولى أمير المؤمنين عليه السلام عليه أن يقترب من منهجه الكامل الموجود في سيرته وفي كلماته، وفي نهج البلاغة، وفي حياته كلها.

وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في حديثه لجابر:

“يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟ فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه» ثم يذكر الإمام عليه السلام صفات الشيعة:

«وما كانوا يُعرفون إلا بالتواضع، والتخشع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء”

ثم يقول الإمام عليه السلام: «حسب الرجل أن يقول: أحب عليًا وأتولاه، ثم لا يكون مع ذلك فعّالًا؟.

كلمة (فعالًا) هنا مهمة جدًا؛ فهي لا تعني فعلًا واحدًا عابرًا، بل تعني فاعلية مستمرة. أن يكون الإنسان دائم العمل، دائم الإصلاح، دائم التجسيد لحب علي عليه السلام.

فالشيعي الحقيقي ليس إنسانًا خامدًا، ولا ساكنًا، ولا مكتفيًا بالكلام. الشيعي الحقيقي فعال كثير الفعل والافعال في الخير، فعال في الإصلاح وفي خدمة الناس وفي نصرة الحق وفي محاسبة نفسه.

السير إلى الغدير رحلة عمر

السير إلى الغدير ليس مسيرًا جسديًا ينتهي بيوم. إنه مسير عقائدي وروحي ومعنوي وأخلاقي، وعملي. إنه مسير لا ينتهي، لأن الإنسان لا ينتهي من تربية نفسه، ولا ينتهي من مجاهدة هواه، ولا ينتهي من ترميم ذاته، ولا ينتهي من الارتقاء في طريق الكمال.

السائر إلى الغدير هو من يسأل نفسه كل يوم:

هل اقتربت من الإمام علي عليه السلام؟

هل أحببت النزاهة والطهارة؟

وهل صار الغدير ضميرًا في داخلي؟

هذه الأسئلة هي معنى السير إلى الغدير. فالغدير ليس مجرد محطة خارجية، بل ضمير داخلي. إنه بوصلة وميزان ومحاسبة ورقابة. والشيعي الحقيقي هو من يكون ضميره شغالًا فعالا في كل وقت، لا في أيام المناسبات فقط.

وقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام:

«ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل خيرًا استزاد الله، وإن عمل شرًا استغفر الله منه وتاب إليه.

وهذا الحديث يضع قاعدة مهمة: من يريد السير إلى الغدير، فعليه بالمحاسبة اليومية. يسأل نفسه: أين أنا من علي وحقه وصدقه؟

فالغدير لا يتحقق في الإنسان دفعة واحدة، بل يتحقق بالتدرج، بالمحاسبة، بالاستغفار، بالتوبة، بالعمل، وبالإصرار على الارتقاء.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة، ولأظلهم الغَمام، ولأشرقوا نهارًا، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولما سألوا الله شيئًا إلا أعطاهم”.

هذا الحديث يكشف لنا أن النعمة الكبرى مرتبطة بالاستقامة. فالانتماء وحده لا يكفي، والحب وحده لا يكفي. لابد من الاستقامة على الطريق.

الإيمان والعمل الصالح والتزكية

الإيمان بالغدير لا ينفصل عن العمل الصالح. فالإيمان هو المبدأ الذي يدفع الإنسان إلى العمل، والعمل الصالح هو الذي يُكمل الإيمان. لا إيمان حقيقي بلا عمل صالح، ولا عمل صالح كامل إذا انفصل عن الإيمان.

لذلك فإن السير الى الغدير هو طريق الى التكامل بالتناسب مع إكمال الدين، بأن يرتقي المُوالي بشخصيته باستدامة عمله الصالح مع الايمان، فهو تكامل بين الايمان والعمل الصالح. لأنه مهما ارتقى بعمله يبقى بحاجة الى المزيد من الارتقاء حتى يصل الى مرتبة الولاء الحقيقي، وهي مرتبة قد لاتُعرف إلا في الآخرة.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ).

فالخيرية ليست بمجرد الادعاء، ولا بمجرد الانتساب، بل بالإيمان والعمل الصالح. كلما نما العمل الصالح في الإنسان نما إيمانه، وكلما ضعف العمل الصالح بدأ الإيمان بالانطفاء.

فالغدير هو طريق الارتقاء، والارتقاء يحتاج إلى عمل. لذلك لا يمكن أن يكون الإنسان سائرًا إلى الغدير وهو عاطل عن العمل الصالح، أو كسول في الخير، أو لا مبالٍ أخلاقيًا.

وقد قال الإمام الباقر عليه السلام: “أبلغ شيعتنا أنه لا يُنال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلًا ثم خالفه إلى غيره، وأبلغ شيعتنا أنهم إذا قاموا بما أُمروا أنهم هم الفائزون يوم القيامة”.

هذه ثلاث رسائل عظيمة:

الأولى: لا ينال ما عند الله إلا بالعمل.

الثانية: أعظم الحسرة أن يصف الإنسان العدل ثم يخالفه.

الثالثة: الفوز الحقيقي يكون بالقيام بما أمر الله وأمر أهل البيت عليهم السلام.

وهنا نفهم أن الشيعي ليس من يتحدث عن المبادئ فقط، بل من يعمل بها.

التكامل في الولاية

وقد قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

هذه الآية الكريمة نصٌ في ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام، وهي في الوقت نفسه تكشف لنا معنى الولاية عمليًا. فالولاية هنا ليست مجرد عنوان، بل إيمان وصلاة وزكاة وعطاء وخضوع لله.

فالإمام علي عليه السلام تصدق بخاتمه وهو راكع، فجمعت الآية بين العبادة والعطاء، بين الصلاة والزكاة، بين الإيمان والعمل، بين الخضوع لله وخدمة المحتاج. وهذا هو معنى التكامل في الولاية.

فالشيعي الحقيقي لا يفصل بين عبادته وخدمته للناس. لا يصلي ثم يظلم. لا يتعبد ثم يبخل. لا يرفع شعار الولاية ثم لا ينفق في سبيل الله. فالإنفاق في سبيل الله هو مصداق عملي للارتقاء والتزكية.

من هو الشيعي حقًا؟

الشيعي حقًا هو الذي يحمل الصفات التي ذكرتها روايات أهل البيت عليهم السلام. والولاية مدرسة لتربية النفس والذات. والغدير مدرسة لترميم الإنسان من الداخل، لا مجرد عنوان خارجي.

لا يكون الانتساب إلى مدرسة الغدير مجرد لقب، ولا مجرد هوية اجتماعية، بل مسؤولية وقدوة وأُسوة. فالناس يعرفون التشيع من خلال الشيعة. فإذا رأوا الشيعي كاذبًا، أو ظالمًا، أو خائنًا، أو سيئ الخلق، أو مؤذيًا بلسانه، فقد يأخذون صورة سيئة عن مذهب أهل البيت عليهم السلام. أما إذا رأوه صادقًا، أمينًا، رحيمًا، متواضعًا، عادلًا، طاهرًا، فإنهم يرون في سلوكه طريقًا للهداية.

قال الإمام الصادق عليه السلام: «شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة.

فالشيعي ليس شعارًا، بل ورع وتقوى. يجتنب ما يلوث قلبه: المال الحرام، والكذب، والظلم، والخيانة. ولا يكتفي بالترك، بل يجتهد في العمل والطاعة، ويبتعد عن الكسل واللامبالاة الأخلاقية.

وقال الإمام علي عليه السلام في وصف شيعته:

«شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع.

فالشيعي عارف بالله، عامل بأمر الله، صاحب فضيلة، ناطق بالصواب، مقتصد في معيشته، متواضع في سلوكه، لا يعيش من أجل المظاهر، ولا من أجل التميز الطبقي، ولا من أجل التفاخر، بل يجسد قيم أهل البيت عليهم السلام في واقعه اليومي.

ويمكن أن نعرف الشيعي الحقيقي من خلال خمس دوائر متكاملة:

1. دائرة العقيدة: أن يؤمن بولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام، وأن يعرف أن الغدير طريق الهداية، لا مجرد مناسبة. هذه العقيدة ليست فكرة جامدة، بل نور يوجه الإنسان في حياته. من يؤمن بولاية علي عليه السلام، يؤمن بأن الحق مع علي، وأن العدل الذي مثله علي هو طريق الحياة، وأن منهج أهل البيت عليهم السلام هو الطريق إلى الله تعالى.

2. دائرة الطاعة: أن يطيع الله ورسوله وأهل البيت عليهم السلام، وأن يلتزم بالواجبات، وينتهي عن المحرمات.

3. دائرة الأخلاق: أن يكون صادقًا، أمينًا، رحيمًا، عفوًا، غفورًا، عفيف اللسان، معتدلًا، لا يؤذي الناس، ولا يغشهم، ولا يظلمهم. فالأخلاق ليست إضافة ثانوية إلى التشيع، بل هي قلب التشيع العملي. من لا أخلاق له، لا يستطيع أن يقدم صورة صادقة عن أهل البيت عليهم السلام.

4. دائرة المجتمع: أن يداري الناس، ويحسن إلى الجار، ويرعى الفقير واليتيم والمسكين والغارم، ويقضي حوائج الناس. فالشيعي لا يعيش لنفسه فقط. لا يكون أنانيًا ولا منعزلًا. بل يكون نافعًا للناس، قريبًا من حاجاتهم، يحمل همَّ الضعفاء، ويجعل من الولاية طريقًا لخدمة المجتمع.

5. دائرة الموقف: أن يكون مع الحق، ولو قلّ سالكوه، وأن يرفض الظلم، ولا يكون عونًا للباطل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى