الوَسواس وأخطاره

الأوهام والوساوس من أخطر العوامل التي قد تقتحم باطن الإنسان وتستهدف قلبه بمعناه المعرفي، لما لها من قدرة على زعزعة وإرباك منظومة الفهم والاختيار، وصولًا إلى إضعاف النَّفس والعقل للإنسان، وتفكيكها تدريجيًّا. فهذه المؤثِّرات تتسلَّل بهدوء إلى عمق الوعي، وتعيد تشكيل القناعات والتَّصوّرات، حتَّى يتحوَّل القلب من موضع للإدراك السَّليم إلى ساحة صراع واضطراب.
ويبرز هذا المعنى بوضوح في سورة النَّاس، حيث يعرض النَّصّ القرآني نموذجًا دقيقًا لطبيعة هذا الخطر وآلياته. فالآيات الكريمة تشير إلى أنَّ الوسوسة فعل متكرِّر يستهدف الصُّدور؛ أي: مركز الوعي والإدراك، ويعتمد على الخفاء، كما يفيده توصيف “الخنَّاس”. قال (تعالى): (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَٰهِ النَّاسِ* مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ).
ومن الشَّواهد الدالَّة على خطورة الوسوسة أنَّ النَّصَّ القرآني يوجِّه الإنسان في مواجهتها، إلى الالتجاء المباشر إلى الخالق العظيم (سبحانه)، بما يكشف عن أنَّ هذا الخطر يتجاوز حدود القدرة الإنسانيَّة الاعتياديَّة على المقاومة الذَّاتيَّة. فالاستعاذة بالله (تعالى) تُطرح هنا بوصفها ضرورة تفرضها طبيعة الوسوسة وآثارها العميقة في القلب والعقل.
ويفهم من هذا التَّوجيه أيضًا أنَّ الوسوسة تمسُّ مركز الإدراك واتِّخاذ القرار، وتعمل على إضعاف ثقة الإنسان بنفسه وبقدرته على التَّمييز، الأمر الذي يستدعي العودة إلى المصدر الأعلى للهداية والحفظ. فاللجوء إلى الله (سبحانه) يعكس إدراكًا ضمنيًا بأنَّ معالجة هذا النَّوع من الأخطار تحتاج إلى سندٍ إلهي يعيد للقلب اتِّزانه، ويمنحه القدرة على مقاومة التَّشويش والانحراف المعرفي.
ولو عدنا إلى النُّصوص الشَّريفة، لوجدنا أنَّ كلَّ نصٍّ منها يفتح آفاقًا واسعة من المعارف، ويكشف عن طبقات عميقة من الحكمة المتعلِّقة ببناء الإنسان وسلوكه. فالرِّوايات الشَّريفة ترسم صورة دقيقة لنفس الإنسان، وتبيِّن طبيعة الصِّراع الذي يدور في داخله بين دوافع الهداية والانحراف. ومن الأحاديث الدَّالّة على ذلك عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: “إِنَّ لِلْقَلْبِ أُذُنَيْنِ، فَإِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِذَنْبٍ، قَالَ لَهُ رُوحُ الْإِيمَانِ: لَاتَفْعَلْ، وَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: افْعَلْ” وعنه (عليه السلام): “مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلِقَلْبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوْفِهِ: أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ، وَأُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْمَلَكُ، فَيُؤَيِّدُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَكِ، فَذلِكَ قَوْلُهُ: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ).
وتقدِّم هذا الأحاديث توصيفًا بالغ الدِّقة لحقيقة التَّفاعل الذي يعيشه الإنسان في مسار تفكيره واختياراته، ويصوّر القلب بوصفه موضع استقبالٍ دائم لخطابينِ متقابلينِ: خطابٍ يدعو إلى الرُّشد والاستقامة، وخطابٍ يدفع نحو الانحراف والمعصية.
ويكشف هذا البيان أنَّ الصِّراع هو حالة ملازمة لطبيعة الوجود الإنساني، ولا ينفكُّ القلب عن التَّعرُّض لتأثيرات متعارضة، تتطلَّب منه وعيًا ويقظة وقدرة على التَّمييز.
وانطلاقًا من هذا، يمكن الوقوف عند جملة من القضايا المهمَّة التي تُسهم بزيادة فهمنا لطبيعة القلب ووظيفته، ولمسؤوليَّة الإنسان في إدارة هذا الصِّراع، وهي قضايا تستحق التَّوقف عندها بالتَّحليل والتَّأمل، لما لها من أثر مباشر في بناء الوعي للفرد والمجتمع.
أوَّلًا: تكشف الرِّوايات أنَّ قلب الإنسان يعيش في حالة تعرُّض دائم لتأثيرينِ متقابلينِ ومتعارضينِ في الاتِّجاه والغاية. فمن جهةٍ، ترد إليه موجة من الرَّحمة الإلهيَّة، تتجلَّى في الإلهام الربَّاني وتسديد الملائكة، بما يمثِّل خطاب الهداية والرُّشد، ويعمل على تثبيت الإنسان في مسار الطَّاعة والوعي. ومن جهةٍ أخرى، يواجه القلب موجة مضادّة تنبع من الغضب الشَّيطاني وآثاره، تتجسَّد في وساوس إبليس وجنوده، وتهدف إلى إرباك الإدراك، وتشويه المعايير، ودفع الإنسان نحو الانحراف والمعصية. ويؤكِّد هذا المعنى ما ورد عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) في وصيَّته البليغة؛ إذ يحذِّر من طبيعة العدوّ الخفي الذي يستهدف الصُّدور، فيقول: “أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ واحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ، وحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً، ونَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيّاً فَأَضَلَّ وأَرْدَى ووَعَدَ فَمَنَّى وزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ وهَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَه واسْتَغْلَقَ رَهِينَتَه، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ واسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وحَذَّرَ مَا أَمَّنَ.
ثانيًا: تُبيِّن النُّصوص الشَّريفة أنَّ مفهوم الشَّيطان لا ينحصر في الكائن غير المرئي من عالم الجن، ويتَّسع ليشمل نمطًا آخر يتمثَّل في شياطين الإنس، وهم أولئك الذين يمارسون دور الإغواء والتَّضليل من داخل البيئة الاجتماعيَّة والفكريَّة نفسها. فالتَّقسيم الوارد في القرآن الكريم والرِّوايات يؤسِّس لفهمٍ أعمق لطبيعة الانحراف، بوصفه ظاهرة لا تقتصر على الوسوسة الخفيَّة، وقد تتجلَّى في خطابٍ علني، أو سلوكٍ اجتماعي، أو تأثيرٍ ثقافي موجّه.
ثالثًا: إنَّ الإنسان حين يُعرض عليه أيُّ فكرة أو تصور، فإنَّ طبيعة هذه الفكرة تحدِّد صفة تأثيرها على قلبه وعقله. فإذا كانت الفكرة مذمومة، تدعو إلى الشرّ، وتسوّغ المعصية أو الانحراف عن الحقِّ، تُسمَّى وسوسة؛ وتهدف إلى زعزعة توازن القلب وتشويش الإدراك. أمَّا إذا كانت الفكرة تدعو إلى الخير، وفعل الصلاح، والالتزام بالحقِّ، فتُعرف بالإلهام، وتمثِّل موجة توجيه ربَّاني تُسهِّل على الإنسان اتِّباع طريق الهداية واستقرار القلب.



