اخر الأخبارثقافية

“لكي لا تصبح المتنبي أو صدام”.. صورة المداح والطاغية

تتقاطع في نصوص الشاعر عامر الطيب، أسئلة الشعر مع إشكاليات السلطة والهوية واليقين، وعبر لغة تأملية كثيفة، يكشف نصه عن توتر داخلي بين الاكتمال والنقص، ويُعيد مساءلة علاقة الشاعر بذاته والعالم، بوصف الشعر تمرينا على الشك لا امتلاكا للحقيقة النهائية.

لم أدخل ديوان “لكي لا تصبح المتنبي أو صدّام” للشاعر العراقي عامر الطيّب كما يدخل القارئ كتابا، بل كما يدخل شيءٌ في الدم دون استئذان، دون أن يعرّف نفسه، دون أن يقول من أين جاء، لكنه يبدأ فوراً بتغيير الإيقاع الداخلي، يبطئ شيئاً ويسرّع شيئاً آخر، يجعل الكلمات التي أعرفها تبدو كأنها لم تعد تخصّني تماماً، أو كأنها خرجت لتوّها من مكان أبعد من اللغة.

ولم يكن هذا الدخول قراءة بقدر ما كان اختبارا خفيا لي أنا، كأن ما يُسمّى فيه تمارين لا يدرّب اللغة وحدها، بل يدرّب القارئ أيضاً على أن يتراجع عن نفسه. مكان لا تصل إليه القراءة الأولى، ولا الثانية، بل يحتاج إلى نوع من الإقامة، إلى نوع من البقاء داخل النص لا خارجه، إلى نوع من التسليم البطيء، كأنك لا تقرأ بقدر ما تُقرأ، ولا تقترب من النص بقدر ما يقترب منك، ويبدأ بإعادة ترتيبك من الداخل دون أن يعلن ذلك.

منذ الصفحات الأولى، لم أشعر أنني أمام نص يريد أن يُقرأ، بل أمام نص يريد أن يدرّبني على أن أتراجع خطوة عن نفسي، أن أخفف من تلك الرغبة الخفية بأن أكون واضحاً أو مكتملاً، تلك الرغبة التي نظنها فضيلة بينما هي في كثير من الأحيان شكل من أشكال العجلة التي تفسد التجربة قبل أن تتكوّن، كأن النص يعرف مسبقاً أن القارئ يأتي وهو محمّل بفكرة الفهم، فيحاول أن يخلّصه منها بهدوء، لا بالصدمة، بل بالتدرّج، بأن يجعله يشك قليلاً فيما اعتاد عليه من طرق القراءة.

 وكما يُوحي النص منذ بدايته، لا يقدّم نفسه بوصفه كتابة، بل بوصفه تمريناً على التخفّف من الادعاء؛ لذلك لم أتعامل مع الجملة كمقدمة، بل كنوع من الشك الذي يدخل القراءة منذ بدايتها.

كأن النص لا يثق بالقارئ قبل أن يثق بنفسه، أو كأنه يعرف أن الخطر لا يكمُنُ في سوء الفهم، بل في الفهم السريع، في تلك السرعة التي تقتل التجربة قبل أن تنضج، قبل أن تتحول من معنى يُفهم إلى أثر يُعاش.

شيء ما في هذا الديوان يشتغل ضد فكرة الاكتمال، ضد تلك اللحظة التي يشعر فيها الشاعر أو القارئ أنه أمسك بالخيط، أنه صار يعرف ماذا يقول النص وماذا يريد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى