اراء

الخليج في مرآة الحرب.. هل انكشف الوهم أم حان وقت القرار؟

بقلم: نظمي يوسف..

لا تكشف الحروب فقط عن موازين القوة، بل تفضح أيضاً الأوهام التي تعيشها الدول عن نفسها. والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ولبنان تبدو في جوهرها، اختباراً قاسياً لدول الخليج، ليس لقدرتها العسكرية فحسب، بل لطبيعة موقعها الحقيقي في معادلة إقليمية تتغير بسرعة، ولمدى استقلال قرارها السياسي بعد عقود من الاتكاء على تحالفات خارجية.

لوقت طويل، ساد اعتقاد شبه راسخ بأن الأمن الخليجي مضمون عبر مظلة دولية تقودها الولايات المتحدة، مدعومة بشبكات دفاع متقدمة وصفقات تسليح بمليارات الدولارات، لكن ما تكشفه هذه الحرب ليس مجرد خلل عابر، بل فجوة عميقة بين حجم الإنفاق الأمني وبين القدرة الفعلية على الردع والتأثير، السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: هل كان هذا النموذج الأمني فعالاً فعلاً، أم أنه وفر شعوراً زائفاً بالاطمئنان؟.

المعضلة لا تتوقف عند حدود الأمن. اقتصادياً، قد يبدو أن دول الخليج رابحة على المدى القصير بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، لكن هذه قراءة سطحية. فالاستقرار -لا الأسعار المرتفعة- هو الشرط الأساسي لأي ازدهار اقتصادي مستدام. ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، تصبح الاستثمارات أكثر حذراً، وتتحول مشاريع التنويع الاقتصادي إلى رهانات محفوفة بالشكوك. بعبارة أخرى، ما تكسبه المنطقة في لحظة اضطراب قد تخسره أضعافاً إذا تحول الاضطراب إلى حالة دائمة.

سياسياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، بل أكثر إرباكاً. فالعلاقة مع الولايات المتحدة تمر بمرحلة إعادة تعريف غير معلنة، لم تعد واشنطن، كما في السابق، مستعدة -أو ربما قادرة- على لعب دور الضامن المطلق لأمن حلفائها. وفي المقابل، يكثر الحديث عن بدائل: الصين، روسيا، أو حتى ترتيبات إقليمية جديدة. لكن هذا الحديث، حتى الآن، يبدو أقرب إلى أوراق ضغط دبلوماسية منه إلى خيارات استراتيجية جاهزة. فلا بكين ولا موسكو أظهرتا استعداداً لتحمل كلفة أمنية بحجم تلك التي تحملتها واشنطن لعقود.

أما على مستوى الإقليم، فإن المعضلة الأكثر حساسية تظل في العلاقة مع إيران. فبين خطاب المواجهة وضرورات الجغرافيا، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارين كلاهما صعب: الاستمرار في سياسة الاحتواء غير الحاسمة، أو التوجه نحو تفاهمات قد تُفسَّر داخلياً وخارجياً كتنازل. لكن تجاهل هذا السؤال لم يعد خياراً، لأن كلفة “اللاقرار” قد تكون أعلى من كلفة أي قرار.

وفي السياق نفسه، يواجه مسار التطبيع مع إسرائيل اختباراً حقيقياً. فقد رُوّج لهذا المسار، جزئياً، باعتباره مدخلاً لتعزيز الأمن والاستقرار، إلا أن مجريات الحرب تثير تساؤلات محرجة: هل تحقق هذا الهدف فعلاً؟ أم أن التطبيع أضاف تعقيدات جديدة دون أن يوفر ضمانات أمنية ملموسة؟ هذه ليست أسئلة أيديولوجية بقدر ما هي أسئلة براغماتية تتعلق بحسابات الربح والخسارة.

الأكثر إزعاجاً، ربما، هو ما تكشفه الحرب عن موقع دول الخليج في اللعبة الكبرى. فبدلاً من أن تكون فاعلاً يحدد اتجاهات الصراع، تبدو -في كثير من الأحيان- كساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى. الولايات المتحدة، الصين، روسيا، وحتى القوى الإقليمية، جميعها تتحرك وفق حساباتها الخاصة، فيما تحاول دول الخليج التكيف مع هذه الحركة أكثر مما تحاول توجيهها. وهنا يكمن جوهر الأزمة: هل تمتلك هذه الدول فعلاً هامش المناورة الذي تتحدث عنه، أم أن هذا الهامش أضيق بكثير مما يُتصوَّر؟.

ولا يمكن فصل كل ذلك عن ملفات مشتعلة مثل لبنان وغزة، التي لا تزال تُستخدم -بشكل أو بآخر- كورقة في التفاوض بين القوى الكبرى والإقليمية. تجاهل هذه الساحات أو اختزالها في كونها “أوراقاً” لا يلغي تأثيرها، بل قد يؤجل انفجارات أكبر في المستقبل، انفجارات ستنعكس حتماً على استقرار المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج.

ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية. لحظة تفرض على دول الخليج أن تطرح على نفسها أسئلة صعبة: هل تستمر في الرهان على منظومة أمنية أثبتت محدوديتها؟ هل تكتفي بردود الفعل، أم تسعى لبناء دور مستقل لو كان ذلك مكلفاً في البداية؟ هل تعيد تعريف تحالفاتها، أم تعيد تعريف نفسها أولاً؟.

قد لا تكون هناك إجابات سهلة، لكن ما يبدو واضحاً هو أن الاستمرار في النهج ذاته لم يعد خياراً آمناً. فالعالم يتغير، والمنطقة تعاد صياغتها، ومن لا يملك رؤية واضحة لموقعه في هذه التحولات، سيجد نفسه -عاجلاً أم آجلاً- موضوعاً على هامشها.

السؤال لم يعد إن كانت دول الخليج ستتأثر بهذه الحرب، بل كيف ستُعيد تعريف نفسها بعدها: كفاعل حقيقي يملك قراره، أم كطرف يكتفي بالتكيف مع قرارات الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى