المفاوضات الإسرائيلية مع لبنان فرصة لتعزيز السلام أم لتعميق الانقسام في بيروت!!

بقلم: محمد هلسة..
لا يُخفي الاسرائيلييون حقيقة أن واشنطن أرادت وقف إطلاق نارٍ مع لبنان رغبة في هدوء يحافظ على مسار المفاوضات مع طهران، ومن هنا ابتلعوا على مضض هدنة مؤقتة لعشرة أيام، مُددت لثلاثة أسابيع أخرى مؤقتة، بانتظار ما ستؤول إليه نتيجة المفاوضات مع إيران.
ومع أن الرئيس ترامب يتحدث عن إمكان إحلال السلام بين البلدين عبر لقاء يجمع الرئيس عون برئيس الوزراء نتنياهو في البيت الأبيض، إلا أن الهدف الفعلي للهدنة وللمسار التفاوضي، هو تسهيل مهمة التفاوض مع إيران، وليس دعم عملية السلام مع لبنان التي لا تعني ترامب بشيء وفق الفهم الإسرائيلي.
ومن هنا تتعزز القناعة الإسرائيلية بأن وقف إطلاق النار الحالي في لبنان يضرّ بـ”إسرائيل”، بخلاف وقف إطلاق النار الذي حدث في نوفمبر 2024، فـ”إسرائيل” اليوم مقيّدة، وحزب الله يزيد جرأته ويزيد هجماته، ويحاول إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع “إسرائيل”.
عملياً، تعترف “إسرائيل” بتغيّر الوقائع لصالح المقاومة بعدما عاد حزب الله لتثبيت معادلات جديدة كان وزير الحرب “كاتس” قد نعاها بعد أيام من نهاية الحرب الماضية عندما قال: “انتهى زمن المعادلات”، وهو ما انعكس سلباً على صورة نتنياهو وحكومته التي تُقر كذلك بتقييد حركة جيشها في لبنان بسبب خضوع نتنياهو لقواعد فرضتها إيران على ترامب.
ومع هذا التفلّت والرغبة من قبل نتنياهو بالعودة إلى المواجهة مع الحزب بصورتها الأوسع من دون قيود، إلا أنه ليس مؤكداً بالنسبة له ولكثير من الإسرائيليين أن الدخول بعمق أكبر إلى لبنان هو الحل الأمثل لسلاح الحزب وقوته وللمعادلات التي يسعى لفرضها، لكن المؤكد بالنسبة لنتنياهو أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر بسبب الضرر والحرج الكبيرين اللذين يلحقهما بجيش “إسرائيل” وبنتنياهو أمام الداخل الإسرائيلي.
بالنسبة لكثير من الإسرائيليين أصبح واضحاً أن المستوى السياسي مُطالب باتخاذ قرارات حاسمة بشأن كيفية التعامل مع لبنان؛ فمرحلة الانتظار المعلّق في وسط الحرب لا تساعد في رسم الوضع الأمني لـ”إسرائيل”. فما اعتبرته حكومة نتنياهو “إنجازاً” في جنوب لبنان لم يكتمل بتفكيك حزب الله ونزع سلاحه، وإن كان تم فرض واقع جديد في خط القرى الأول وبعض مناطق الخط الثاني من حيث الإخلاء والتدمير والسيطرة الفعلية على الأرض.
من وجهة نظر المجتمع الإسرائيلي هناك فجوة كبيرة بين توقعاته من المواجهة وبين ما استطاع المستوى السياسي والعسكري تنفيذه. فالجمهور الإسرائيلي توقع حسماً واسعاً حتى الليطاني، بينما كانت الأهداف الفعلية التي تحققت أضيق من حيث تقليص تهديد النيران المباشرة، وتحسين الخط الدفاعي، وإقامة حزام أمني محدود.
أما أسباب هذا التقييد فترتبط باستنزاف القوات البرية والاحتياط، والخوف من خسائر كبيرة، والقيود التي فرضها الرئيس ترامب، والأهم الحاجة إلى إبقاء جزء من القدرة العسكرية موجهاً نحو إيران في حال اندلعت الحرب مجدداً.
في هذا السياق، يأتي رد حزب الله على الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار كاختبار متبادل؛ فالحزب يحاول معرفة إلى أي حد تستطيع “إسرائيل” الرد تحت سقف القيود الأميركية، فيما تسعى “إسرائيل” في المقابل للحفاظ على التصعيد من دون نسف التفاهمات مع واشنطن، وهذا يخلق لـ”إسرائيل” وضعاً رمادياً؛ ردود إسرائيلية قائمة لكنها لا تزال دون المستوى الذي يغير سلوك حزب الله جذرياً.
أما سياسياً، فهناك إدراك إسرائيلي بأن لبنان الرسمي ليس هو الطرف الحقيقي في المعادلة، فالحوار والاتفاقات توقع مع الدولة اللبنانية لكن قرار النار والسلم الفعلي موجود لدى حزب الله ومن خلفه إيران، لذلك من الزاوية الإسرائيلية فإن أي وقفٍ لإطلاق النار مع لبنان يبقى ناقصاً ما لم يكن حزب الله ملتزماً به فعلياً حتى لو لم يكن طرفاً رسمياً فيه.
في هذه المرحلة تبدو “إسرائيل” مستعدة مؤقتاً، وعلى مضض، لامتصاص “ردود” محدودة من طرف الحزب بانتظار لحظة أوسع تسمح بحرية عمل أكبر؛ كانهيار المفاوضات الأميركية الإيرانية أو وقوع حدث دموي كبير في صفوف جنودها أو مستوطنيها يجبرها على توسيع العملية البرية في جنوب لبنان، وفي أحسن الأحوال فإن “إسرائيل” تنتظر انقضاء مهلة التمديد الأخيرة لوقف النار التي تنتهي في منتصف مايو الحالي للعودة إلى القتال الواسع في لبنان.
وفي المحصلة، سواء انهارت المفاوضات مع إيران أم صمدت، فإن “إسرائيل” تعتقد بأن استمرار مسار المفاوضات الثنائية مع لبنان برعاية أميركية، بالتوازي مع التصعيد العسكري، سيساعد في تقوية السلطة اللبنانية أمام حزب الله، وربما يقود إلى دفع الحكومة اللبنانية تحت وطأة الحاجة إلى وقف إطلاق النار مجدداً، أو تمديده إن صمد، إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً ضد الحزب وسلاحه.
ومن يدري، ربما تراهن “إسرائيل” من خلال الضغط على السلطة اللبنانية على “عكس الدور الوظيفي لسلاح المقاومة والجيش اللبناني” من الدفاع عن لبنان وحماية وحدته إلى الاقتتال الداخلي بسبب سلاح الحزب والتفاوض المباشر مع “إسرائيل”. وربما تضغط لتغيير ولاء القوات المسلحة اللبنانية في دولة منقسمة دينياً وسياسياً، ظل جيشها يحظى بثقة السنّة والشيعة والمسيحيين والدروز، وكان ولاؤه المؤسسي الأساسي هو الحفاظ على السلم الأهلي.
ومن هنا يمكن فهم اللعب الإسرائيلي – الأميركي على وتر العلاقة الخاصة التي تجمع الجنرال رودولف هيكل، القائد الحالي للجيش اللبناني بحزب الله، حيث وردت تقارير في الإعلام العبري تشير إلى أن الولايات المتحدة تطالب باقالته من منصبه باعتبار أنه يعرقل الدخول في نزاع مع الحزب لنزع سلاحه.
كما أشار الإعلام العبري إلى أن هيكل صرّح للحكومة أن جنوب لبنان خالٍ من وجودٍ مُسلحٍ لحزب الله، لكنه قدّم معلومات غير دقيقة للسلطات اللبنانية وللمسؤولين الأميركيين. وألمحت مصادر عبرية كذلك إلى موقفه “المزدوج” خلال لقائه في واشنطن مع السيناتور ليندسي غراهام، حين سُئل إن كان يعتبر حزب الله منظمة إرهابية، فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وهذا يثير تساؤلات حول ما يمكن أن تتوقعه الولايات المتحدة و”إسرائيل” من الجيش اللبناني في حال تنفيذ اتفاقات مستقبلية.
يتبع الجيش اللبناني منذ سنوات سياسة عدم المواجهة مع حزب الله، بسبب قرارات سياسية وخشية من حرب أهلية، ومن هنا قد تسعى “إسرائيل” وبدعم من الولايات المتحدة، إلى دفع الجيش للانتقال من نموذج التعايش مع حزب الله إلى دور الضامن الوحيد للأمن، وهو ما يعني عملياً الدخول في صراع مع الحزب لتجريده من سلاحه. وربما تراهن الولايات المتحدة على الدعم الخارجي الكبير الذي تُقدمه للجيش والذي يصل الى مليارات الدولارات من التدريب والمعدات، بهدف خلق حالة من التوازن أمام قوة الحزب، لكنها تعلم أن نجاحه يعتمد على توفر الصلاحيات والموارد من النظام السياسي. وبالنظر إلى سلوكه السابق، من غير المرجح أن يقدّم الجيش، تحت قيادة هيكل، دعماً حاسماً لاتفاقات بين “إسرائيل” ولبنان إذا عارضها حزب الله.
وعلى الأرجح فإن “إسرائيل” ستعمد إلى تصعيد الخلاف في مستوياته المختلفة داخل لبنان خاصة بعد السجال الحاد بين الرئيس اللبناني جوزاف عون وزعيم حزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي انتقد الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” من دون إجماع لبناني، حيث اعتبر عون أن ما تقوم به الدولة من مفاوضات مع “إسرائيل” ليس خيانة، “فالخيانة يرتكبها أولئك الذين يأخذون بلادهم إلى الحرب من أجل تحقيق مصالح أجنبية”.
وطالما أن المسار التفاوضي يخدم هدف تأجيج الخلافات والانقسامات اللبنانية، إضافة إلى شرعنة الإجراءات الإسرائيلية التي تقوم بها على الأرض اللبنانية وإرغام الدولة للتفاوض حولها، فستسعى “إسرائيل” إلى إبقائه قائماً ما أمكن، على أمل أن يضع لبنان في أتون اقتتال داخلي يحرم لبنان من عناصر قوته ويخدم الأجندة الإسرائيلية.



