اراء

هيمنة الكرة وتراجع الرياضات

بقلم / زكي الطائي..

لم تكن الرياضة في العراق يومًا، لعبة واحدة، ولا صوتاً أو لوناً واحدًا، ولا مضماراً يُقصي مضمارًا آخر، بل كانت فضاءً واسعًا تتناثر فيه الإنجازات كما تتناثر النجوم، من مضامير الساحة والميدان إلى منصّات رفع الأثقال، ومن قاعات الملاكمة إلى ملاعب السلة والطائرة وتنس الطاولة.

هناك وُلدت أسماء عراقية حفرت حضورها في الذاكرة الرياضية العراقية والعربية والآسيوية، بل تجاوز قسمٌ منها ذلك حتى وصل إلى العالمية، يوم كانت الرياضة تُقاس بتنوّعها لا بضجيجها وصخبها وترويجها وأهواء ومصالح مريديها.

لكن، وللأسف، بدأ هذا التنوّع يخبو شيئاً فشيئاً، وتراجعت الكثير من الألعاب أمام كرة القدم، وانسحبت من المشهد لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأنها فقدت من يرعاها، حتى وجدنا أنفسنا أمام واقعٍ رياضيٍ مشوّه تتصدّره كرة القدم وحدها، وكأنها الممثل الشرعي والوحيد للرياضة، بينما تُركت بقية الألعاب على هامش الاهتمام، تقتات على ذكريات الماضي، وهو ما لا يروق للبعض أيضًا.

فالأمر لم يكن عفويًا، إذ تضافرت عوامل عدّة لصناعة هذا الاختلال، في مقدّمتها المال، حين تدفق باتجاه لعبة واحدة، فصنع منها مركز الثقل وترك ما سواها في دائرة العجز. كما أن الإعلام غير المنصف كان أحد أسباب التراجع، حين اختار الطريق الأسهل، فحوّل شاشاته ومنابره إلى منصّات كروية صِرفة، لا ترى في الرياضة سوى تسعين دقيقة، ولا تسمع إلا صدى صفارة الحكم.

ومع غياب التخطيط الحقيقي، تلاشت المشاريع التي كان من الممكن أن تصنع أبطالاً في ألعاب فردية وجماعية أخرى، فلم تعد هناك أكاديميات فاعلة، ولا برامج حقيقية لاكتشاف المواهب، ولا حتى إرادة واضحة لإعادة بناء منظومة رياضية متكاملة. كل شيء أصبح يدور في فلك كرة القدم، حتى ظنَّ بعض الأجيال أن الرياضة تبدأ وتنتهي عندها.

الأخطر من ذلك أن هذا الواقع كرّس مفهومًا غير عادل داخل الوسط الرياضي، حيث بات ممارسو الألعاب الأخرى يُنظر إليهم كرياضيين من درجة أدنى، لا لشيء سوى لأنهم اختاروا طريقاً لا تحيط به الأضواء. وهنا لم تعد المشكلة مجرد تفضيل لعبة على أخرى، بل تحوّلت إلى خلل في القيم والمعايير أيضًا.

ومع تداخل المصالح، تزداد الصورة تعقيدًا، إذ إن تضخم الإنفاق على كرة القدم وما يرتبط بها من علاقات أسهم في إبقاء الميزان مائلاً، وجعل أية محاولة لإعادة التوازن تبدو وكأنها مساس بمراكز قوّة اعتادت الاستحواذ.

وبذلك خسرنا ألعابًا كانت ترفع اسم العراق عاليًا، وخسرنا مواهب كان يمكن أن تصنع الفارق، وخسرنا قبل ذلك كلّه فكرة الرياضة بمعناها الحقيقي كمنظومة متكاملة، لا كلعبة واحدة.

ومع ذلك، فإن استعادة التوازن ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى شجاعة في القرار، وعدالة في التوزيع، ووعي إعلامي جديد يُنصف الجميع، كما تتطلّب إعادة الاعتبار للمدرسة الرياضية، وللمدرب، وللرائد الذي أفنى عمره في خدمة لعبة لم تعد تجد من يذكرها.

فالرياضة التي تُبنى على ساق واحدة، مهما بدت قوية، تظل مهدّدة بالسقوط، خصوصًا عندما تخفق رغم كل الاهتمام، أما الرياضة التي تقوم على تعدّد الألعاب وتكافؤ الفرص وعدالة الاهتمام، فهي وحدها القادرة على الوقوف بثبات وصناعة مجدٍ لا يزول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى