رئيس ضد الجميع.. الداخل والخارج في مرمى خطاب ترامب

بقلم: سارة مرزوقي..
لم يكن صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم مجرد انتقال سياسي تقليدي في الولايات المتحدة، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف علاقة القوة الأمريكية بنفسها وبالعالم. فمنذ الأيام الأولى، بدا أن واشنطن تدخل مرحلة غير مسبوقة: رئيس لا يكتفي بمواجهة خصومه، بل يوسّع دائرة الاشتباك لتشمل الحلفاء، والمؤسسات، وحتى اللغة التي تُدار بها السياسة.
في الداخل، تحوّل الخطاب السياسي إلى ساحة صدام مفتوح. لم يتردد ترامب في توجيه انتقادات شخصية لخصومه، وعلى رأسهم جو بايدن، حيث وُصفت تصريحاته في أكثر من محطة بأنها حملت طابعًا هجوميًا حادًا، تجاوز الأعراف التي لطالما ميّزت الخطاب الرئاسي الأمريكي. لم تعد المنافسة السياسية تُدار ضمن حدود الاختلاف، بل انزلقت نحو شخصنة الصراع، بما يعكس تحوّلًا أعمق في بنية الخطاب العام.
أما الإعلام، فقد وجد نفسه في مرمى نيران غير مسبوقة. فقد جعل ترامب من مهاجمة الصحافة جزءًا من استراتيجيته التواصلية، وكرّر اتهاماته لمؤسسات إعلامية كبرى بنشر “الأخبار الزائفة”، بل وذهب إلى حد وصف بعض وسائل الإعلام بأنها “عدو الشعب”. في هذا السياق، لم تعد العلاقة بين السلطة والصحافة علاقة توتر صحي، بل تحوّلت إلى مواجهة تهدد أحد أعمدة الديمقراطية، كما حذّرت أصوات داخل مؤسسات عريقة مثل نيو يورك تايمز.
غير أن ما يحدث في الداخل لم يبقَ محصورًا ضمن الحدود الأمريكية. فخارجيًا، امتد خطاب المواجهة ليشمل الحلفاء التقليديين. انتقادات علنية لحلف الناتو، وقرارات اقتصادية أربكت شركاء استراتيجيين، أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول ثبات الالتزام الأمريكي بتحالفاته. لقد بدا، في أكثر من مناسبة، أن الولايات المتحدة تتحرك بمنطق الصفقة لا بمنطق القيادة.
وفي الشرق الأوسط، ساهمت سياسة “الضغط الأقصى” تجاه إيران في تصعيد الحرب دون تحقيق نتائج حاسمة. وهنا، يرى الاقتصادي السويدي Anders Åslund أن هذه المقاربة قد تُسجَّل كأحد أكثر الإخفاقات بؤسًا في سجل السياسة الخارجية الأمريكية، نظرًا للفجوة بين سقف التصعيد وحجم المكاسب.
وسط كل ذلك، يبرز سؤال لا يقل أهمية: أين كانت دوائر النصح والتوازن داخل الإدارة الأمريكية؟ هل كان هذا النهج نتيجة قناعة استراتيجية، أم انعكاسًا لغياب الضوابط التقليدية التي كانت تضبط إيقاع القرار في البيت الأبيض؟ إن تكرار التصريحات المتناقضة، والتصعيد اللفظي المستمر، يوحيان بأن القرار لم يكن دائمًا محكومًا بمنطق المؤسسة بقدر ما كان رهين مزاج اللحظة.
النتيجة لم تكن مجرد توتر سياسي، بل تآكل تدريجي في صورة الولايات المتحدة كقوة يمكن التنبؤ بسلوكها. فالدول العظمى لا تُقاس فقط بما تملك من أدوات، بل بمدى قدرتها على طمأنة الآخرين إلى استقرار خياراتها. وفي هذا الاختبار تحديدًا، بدت واشنطن -خلال تلك المرحلة- أقل يقينًا، وأقل إقناعًا.
قد تختلف التقييمات حول إرث ترامب، لكن الثابت أن تلك السنوات كشفت هشاشة جانب لطالما اعتُبر من ثوابت القوة الأمريكية: صورتها. فحين يصبح الرئيس في مواجهة الجميع، يصبح السؤال أكبر من شخصه- سؤالًا عن نظام بأكمله، وعن قدرة دولة بحجم الولايات المتحدة على حماية توازنها بين القوة والمسؤولية.



