اراء

الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج – شراكة مهددة بالانهيار

بقلم: د. سماهر الخطيب..
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيداً خطيراً جراء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والذي بدأ فجر 28 من فبراير الماضي والمستمر حتى الساعة. والمفارقة أن استراتيجية الدفاع القومي الأميركية 2025-2026 في الشرق الأوسط كانت تستهدف تقليل الانخراط المباشر ونقل العبء الأمني إلى الحلفاء الإقليميين، مع الحفاظ على القدرة على “عمل حاسم” عند الحاجة. في توجه يركز على دعم إسرائيل، تعزيز التحالفات العربية، ومواجهة إيران عبر الردع، مما يعكس تحولاً نحو استراتيجية “السلام عبر القوة” وتخفيف الأولوية للمنطقة لصالح المنافسة مع الصين. في حين انعكس التصعيد الأخير في المنطقة بشكل سلبي للغاية على دول مهمة في منطقة الخليج العربي كانت على مر السنين محطات جذب للإستثمارات ورؤوس الأموال العالمية بسبب الأمان والرخاء والتقدم فيها.. ليبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مارس خداعاً ليس فقط دبلوماسياً من خلال عقد المفاوضات مع إيران بل من خلال ما أعلنه في استراتيجية الدفاع الوطني التي هدفت إلى تخفيف الوجود العسكري المباشر وتوجيه ضربات محدودة لإيران للحفاظ على الردع وتعزيز الشراكات مع دول الخليج غير أن الأخيرة باتت الأكثر ضرراً من هذا التصعيد..
آخر التطورات الميدانية
أعلن الجيش الإسرائيلي عن شن “موجة جديدة من الضربات” استهدفت بنى تحتية عسكرية في “كل أنحاء إيران”، من بينها قصف طائرات من طراز إف-14 في مطار أصفهان. في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ “الموجة الـ26” من عملياته، مستخدماً المسيرات والصواريخ ومستهدفاً مناطق واسعة وسط إسرائيل.
الخليج تحت النار
فيما كانت أول أهداف القواعد الأميركية في دول الخليج لحماية تلك الدول من أي تهديد خارجي وعلى هذا الأساس سمح لها بتلك القواعد غير ان دول الخليج العربي تحولت إلى مسرح رئيسي للهجمات، ولم تستطيع تلك القواعد حمايتها حيث استهدفت إيران بعد العدوان عليها ما قالت إنها قواعد أمريكية، لكن الضربات طالت أيضاً أعماق هذه الدول. فمثلاً، أصاب صاروخ إيراني مصفاة نفط في البحرين ما أدى إلى اشتعال حريق وإغلاق وحدتين لتكرير الخام في مصفاة سترة. كما أعلن الجيش الكويتي عن أضرار في منشآت مدنية نتيجة سقوط حطام للصواريخ والمسيرات.
وقد قدرت تقارير أن نحو 2389 صاروخاً وطائرة مسيرة إيرانية استهدفت دول الخليج منذ بداية الحرب. وهو ما شكل ضغطاً هائلاً على منظومات الدفاع الجوي الخليجية. ففي قطر وحدها تم اعتراض 13 صاروخاً باليستياً واسقاط 4 مسيّرات في يوم واحد من قبل دفاعاتها الجوية. بينما تصدت الإمارات لـ 6 صواريخ باليستية و131 مسيّرة، مع سقوط شظايا في مواقع متعددة.
كما وصلت الهجمات إلى قلب المدن الكبرى، حيث دوّت صفارات الإنذار في دبي قرب مطار زايد الدولي، وتم إخلاء السكان من بعض مناطقهم في عواصم كالدوحة. وهذا الوضع المتردي أمنياً دفع شركات طيران كبرى إلى تعليق رحلاتها، مما جعل المنطقة تبدو وكأنها لم تعد “ملاذاً آمناً” كما كانت تُسوّق لنفسها لعقود.
الآثار الاقتصادية على دول الخليج
لم تكن الخسائر مادية فقط بل خسائر اقتصادية ومالية كبيرة فقد تسبب إغلاق المجال الجوي وتعليق الرحلات في خسائر فادحة لشركات الطيران الخليجية الكبرى. ففي الإمارات وحدها، تم إلغاء أكثر من 3400 رحلة جوية في يوم واحد، مما كبّد شركات مثل “طيران الإمارات” و”الاتحاد” خسائر بمليارات الدولارات، وعطل حركة السياحة والسفر بشكل شبه كامل.
كما تعرضت منشآت حيوية لأضرار مباشرة، مثل مصفاة نفط في البحرين، مما أثر على الإنتاج وأشعل حرائق كلفت الاقتصاد المحلي خسائر إضافية. كما أدى توقف ميناء جبل علي في دبي، وهو أحد أكثر الموانئ ازدحاماً في العالم، إلى تأخير وصول البضائع وارتفاع تكاليف الشحن والتخزين.
وزعزعت الحرب صورة الخليج كـ”ملاذ آمن”، وهو ما قد يدفع المستثمرين الدوليين إلى إعادة تقييم مخاطر استثماراتهم في المنطقة والبحث عن بدائل أكثر استقراراً. وبينما قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة مؤقتة في الإيرادات، إلا أن الخطر الأكبر يكمن في احتمالية إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، مما سيشل حركة تصدير النفط الخليجي ويوجه ضربة قاسية لمصدر الدخل الرئيسي لدول المجلس.
ومن هنا يمكن القول بأن مستقبل الاقتصاد الخليجي يعتمد كلياً على مدة الحرب ومدى اتساعها. فإذا تحولت إلى حرب استنزاف طويلة، ستواجه المنطقة تحولاً وجودياً. وأمام دول الخليج خيارات صعبة، سواء بقيت إيران قوية وقادرة على الرد، أو انهارت وتحولت إلى دولة فاشلة، ففي كلتا الحالتين سيكون الثمن باهظاً على استقرار دول مجلس التعاون الخليجي واقتصادها.
موقف واشنطن أمام حلفائها الخليجيين
ليس هناك مجالاً للشك بإن الحرب الدائرة وضعت دول الخليج العربي في قلب العاصفة، رغم أنها لم تكن طرفاً فاعلاً في قرار بدئها. وفي الأسابيع التي سبقت التصعيد العسكري كثّف المسؤولون الخليجيون تحركاتهم الدبلوماسية ونداءاتهم بهدف الضغط على جميع الأطراف (الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل) للعودة إلى طاولة المفاوضات وتجنيب المنطقة ويلات حرب شاملة. فيما اختتمت في جنيف قبل يومين فقط من بدء الهجوم الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران برعاية عُمانية. وصرّح وزير الخارجية العُماني آنذاك بأنه تم إحراز “تقدم ملحوظ” في المحادثات.
واليوم وبناءً على المعلومات والتحليلات الاستراتيجية، يبدو أن احتمال تعويض واشنطن لدول الخليج عن خسائرها الاقتصادية ضعيف جداً. بل إن الواقع يُشير إلى اتجاه معاكس تماماً، مع مطالبة واشنطن توسيع الانخراط الأمني والمشاركة، سواء عبر الدعم اللوجستي أو الدفاع الجوي أو حماية القواعد. لذلك نجد أن دول الخليج بدأت تستخدم أوراقها الاقتصادية للضغط على واشنطن لإنهاء الحرب.
ووفق التقارير فإن عملية “الغضب الملحمي” ضد إيران تكلف واشنطن حوالي 891 مليون دولار يومياً. مع توقعات بأن تصل الكلفة الإجمالية إلى 95 مليار دولار في حال استمرت الحرب شهرين. وفي ظل هذه الفاتورة الضخمة، يصبح من غير الواقعي توقع تخصيص أموال إضافية لتعويض حلفاء بالنسبة لواشنطن أقل شأناً من إسرائيل.
ويبدو أن إيران توزيع الخسائر وألا تكون هي الخاسر الاقتصادي الوحيد من هذه الحرب لذا تستهدف دول الخليج بهدف رفع الكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة، وليس بدافع عدائي تجاه الخليج بحد ذاته، وذلك لدفع واشنطن لوقف الحرب. من هذا المنطلق، تنظر واشنطن إلى الأضرار الخليجية على أنها ثمن جانبي للحرب، وليس ضرراً يقع على طرف متضرر يحق له المطالبة بتعويض.
في المقابل ربما لجأت دول الخليج إلى استخدام قوتها الاقتصادية كورقة ضغط على واشنطن لإنهاء الحرب. حيث أنه وبحسب صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، بدأت السعودية والإمارات وقطر والكويت مراجعة استثماراتها الخارجية في الولايات المتحدة، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 3 تريليونات دولار. بهذه الخطوة، يحول الخليجيون العلاقة الاقتصادية مع أمريكا إلى أداة ضغط لوقف الحرب والحصول على تعويضات. وهذا ما عبّر عنه رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور بقوله: “من أعطاك السلطة لجر منطقتنا إلى حرب؟”.
شراكة مهددة بالانهيار
في المحصلة فإن ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها حيث سيكون هناك ترتيب للأولويات وتوزيع للمسارات وهندسة التحالفات وتغيير لخريطة التحالفات السابقة وليس تغيير لخريطة الشرق الأوسط كما أرادت الولايات المتحدة خاصة وأن العلاقة بين واشنطن ودول الخليج دخلت مرحلة اختبار صعبة. حيث تجد واشنطن نفسها أمام حرب جرتها إليها إسرائيل، وأمام حلفاء يطالبونها بوقف الحرب التي تسببت لهم بخسائر فادحة، وبتعويضات كبيرة، مستخدمين في ذلك أدواتهم الاقتصادية. خصوصاً بعد أن دمرت هذه الحرب وهم واشنطن الضامن لأمن الخليج، مما سيدفع هذه الدول مستقبلاً لإعادة تقييم شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، في ظل صعود قوى أخرى موازية كالصين مثلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى