اخر الأخباراوراق المراقب

الدعاء في شهر رمضان.. لغة الصمود واغتناء الذات

مرتضى معاش..

في رحاب شهر رمضان، يتحول الدعاء إلى لغة للصمود تستنهض القوة الكامنة في الإنسان، ووسيلة لاغتناء الذات بالإمداد الإلهي، إنه السلاح الأقوى على الاطلاق، والصلة التي لا تنقطع مع الخالق، والمفتاح الذي يفتح أبواب الخزائن الإلهية ليرسم للمؤمن طريقاً من الإيجابية واليقين وسط أمواج البلاء، حيث تكون الذات أقوى من الضغوط، ويكون الدعاء وخصوصا في شهر رمضان، اختزاناً لبناء قوة النفس، وصموداً في مقابل إغواء الشيطان.

ان أشهر رجب وشعبان ورمضان تُعد مواسم عظيمة ومباركة للدعاء، ويتربع شهر رمضان على قمتها، حيث يتجلى في هذه الأشهر الثلاثة، فيضٌ عظيم من العطاء الرباني.

إن الدعاء كنزٌ عظيم من الكنوز المكنونة؛ فهو جواهر ودرر ثمينة، ظاهرة أمامنا ومتاحة للجميع بلا مقابل. ورغم ذلك، فإن الكثيرين منا لا يدركون قيمته الحقيقية، ولا يسعون لاستثماره كما ينبغي، وحتى إن لجأنا إليه، فكثيراً ما يكون ذلك بشكل سطحي أو شكلي عابر.

لذلك، نحن في أمس الحاجة إلى إدراك وفهم هذه اللغة العظيمة؛ لغة الدعاء، فهي أسمى لغات الخطاب والتواصل المباشر مع الله سبحانه وتعالى.

لغة التواصل المباشر

تُعد القدرة على التواصل السمة الجوهرية الأهم في حياة الإنسان؛ فمن دونها يفقد صلته بكل ما يحيط به، ويتجلى هذا التواصل في أبعاد متعددة؛ يبدأ بتواصل الإنسان مع ذاته ليفهم أعماقها، ويمتد ليشمل تواصله مع الآخرين، وعالم الأشياء، والكون بأسره، ليُتوج بالتواصل الأعظم مع الله سبحانه وتعالى.

وإذا افتقد الإنسان لغة التواصل هذه، استحالت حياته إلى حالة من الجمود التام، فإذا كانت الأشجار -كما يقرر العلماء- تمتلك لغة تتواصل بها مع الكون ومع بعضها البعض، فكيف بالإنسان؟ إنه بدون هذه اللغة يفقد حيويته، ويصبح مجرد كائنٍ حجري جامد لا نبض فيه.

إن أيسر سبل التواصل وأقربها للإنسان هي تواصله مع الله عز وجل؛ فالله سبحانه هو الأقرب إليه من كل شيء في هذه الحياة؛ أقرب إليه من والديه، وزوجه، وأبنائه، وجميع أقاربه، وهو سبحانه حاضرٌ معه في كل الأحوال.

وقد تجلى هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) الفرقان “77”.

وبما أن الإنسان كائنٌ حر ومختار، فلا بدَّ أن يوجّه إرادته لاختيار التواصل مع الله سبحانه وتعالى، ليغترف من معين هذه النعمة وهذا الكنز العظيم، فإذا استثمر الإنسان قناة التواصل هذه، شمله الله بعنايته واهتمامه؛ ويتجلى هذا الاهتمام الإلهي في توفيق الإنسان لجعل حياته منسجمة تماماً مع الحق والواقع.

وإذا تأملنا الآية القرآنية الكريمة، سنجد تلازماً دقيقاً بين الدعاء واهتمام الله من جهة، وبين الصدق والكذب من جهة أخرى. فالإنسان الذي يلهج بالدعاء يحظى بعناية الله، وبلوغُه هذه العناية يعني أنه قد اهتدى إلى قواعد وقوانين الحياة السليمة. وفي المقابل، نجد أن من ينقطع عن الدعاء ويغلق قناة التواصل مع خالقه، ينحرف بالضرورة نحو سبل الكذب والضلال.

إذن، هناك تلازم حتمي: فالدعاء يقود إلى الصدق والاستقامة، وترك الدعاء يورث الكذب والضياع.

اغلاق قناة السمع

وقد شرع الله سبحانه وتعالى لنا هذه القناة العظيمة، وفتح أبوابها مشرعة ليسمعنا من خلالها، فهو سبحانه سميع الدعاء.

تتعدد الآيات القرآنية التي تجسد هذا المعنى، ومنها قوله تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) آل عمران “38”.

وكلمة “سميع” هنا تفيد المبالغة وكثرة الاستماع؛ فالله سبحانه وتعالى قد فتح لنا باباً عظيماً يستمع من خلاله لدعواتنا وحاجاتنا، وتلك بلا شك نعمة جليلة.

ولكي ندرك عمق هذه النعمة، لنتأمل حال الإنسان حين يتحدث في مجلسٍ فلا يُعيره أحدٌ انتباهاً، أو حين يتكلم الجميع دون أن يصغي أحدهم للآخر؛ إن بيئة كهذه سرعان ما تتحول إلى فوضى قاسية وموحشة. في مواقف كهذه، يتألم الإنسان نفسياً لعدم وجود من يستمع لرأيه، وتطغى مشاعر الجفاء والتباعد.

كذلك هو الحال في علاقتنا بالخالق؛ فالإنسان الذي يهجر الدعاء إنما يجفو ربه، ويعزل نفسه، ويبتعد عن خالقه، متجاهلاً بذلك قناة “السمع” والتواصل العظيمة التي شرعها الله لعباده.

إن التواصل الحقيقي مع الله سبحانه وتعالى يقودنا للاتصال العميق مع أنفسنا وفطرتنا السليمة، مما يهدينا إلى سلوك الطريق الصحيح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى