اراء

معضلة أوروبا في ضوء إغلاق هرمز.. الأرقام لا تكذب

بقلم: حسام حمزة..
بمرور الساعات والأيام، يتبدّد تدريجياً الشعور النسبي بالاستقرار الذي ساد أسواق الطاقة الأوروبية في أواخر شباط. فقد كانت العقود الآجلة للغاز الطبيعي في مركز (TTF) الهولندي، المرجعي لتجارة الغاز الطبيعي في أوروبا، تُتداول عند نحو 32 يورو للميغاواط/ساعة، وهو أدنى مستوى لها منذ كانون الثاني، مدفوعة بتوقعات بطقس دافئ وتدفّق إمدادات نرويجية قياسية.
غير أنّ الأحد الأوّل من آذار وبفعل العدوان على إيران، دشّن طوراً مختلفاً تماماً في ديناميات السوق حين تخطّى سعر (TTF) عتبة 65 يورو، أي ما يعادل ضعف قيمته خلال ثلاثة أيام عمل فقط، وعلى أساس أسبوعي، قاربت نسبة الارتفاع 85%. في المقابل، استقر خام (Brent Crude) عند 77.74 دولاراً للبرميل، بعد أن تجاوز المؤشر الأميركي 71 دولاراً، مسجّلاً ارتفاعاً نسبته 25% منذ مطلع العام.
ومما لا شكّ فيه أن هذه الصدمة هي نتاج مباشر وطبيعي لمحرك واحد هو إغلاق مضيق هرمز وما استحثّه من اضطراب واسع وشديد في تدفقات الطاقة العالمية، تؤكد الأرقام أن أوروبا ستدفع ثمنه غالياً.
أوربا أمام صدمة مركّبة
أفضت الضربات الأميركية- الإسرائيلية على إيران إلى إعلان الأخيرة إغلاق المضيق أمام الملاحة، وهو ما شكّل الصدمة الأولى بالنسبة لأوروبا. غير أنّ الأثر الأعمق على أوروبا ارتبط بالصدمة الثانية التي جسّدها استهداف منشآت الغاز القطرية. فقد أعلنت “قطر للطاقة” تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في مجمّعي راس لفان ومسيعيد، أكبر مركزين لتصدير الغاز المسال في العالم، عقب هجمات بطائرات مسيّرة. ونتيجة لذلك، تعرّض ما يقارب 20% من الطاقة الإنتاجية العالمية للغاز الطبيعي المسال للتوقف الفوري.
في السوق البريطانية، ارتفعت عقود الغاز إلى 158 بنساً للوحدة الحرارية، بزيادة تتجاوز 44%. وأشار محللو بنك ANZ إلى أنّ هذه الاضطرابات وقعت في توقيت بالغ الحساسية، مع انخفاض المخزونات الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة لهذه المرحلة من السنة منذ سنوات.
وقد أوجد التداخل بين الإغلاق البحري وتعطل منشآت تسييل الغاز ضغطاً مزدوجاً على الإمدادات الفعلية والتوقّعات المستقبلية، ما انعكس بسرعة على الأسعار الفورية والعقود الآجلة على السواء.
تفاوت الاستجابة بين النفط والغاز
رغم ارتفاع أسعاره، إلا أنّ النفط مقارنة بالغاز سجّل قدراً من الاستقرار النسبي. فقد دخل العالم هذه الأزمة بفائض معروض يُقدّر بنحو 2.8 مليون برميل يومياً، إضافة إلى مخزونات كبيرة راكمتها الصين خلال الأشهر السابقة. هذا الهامش الاحتياطي حدّ من حدة التقلبات ظرفياً على الأقل.
في المقابل، يفتقر الغاز الأوروبي إلى دعامة مماثلة، إذ لم تتجاوز مخزونات الاتحاد الأوروبي نسبة 30% في أحسن الأحوال، مقارنة بـ40% في الفترة ذاتها من العام الماضي، مع العلم أنّ دولا كبرى في الاتحاد لم تبلغ هذا الرقم أصلاً. ففي ألمانيا مثلاً، لا تتجاوز نسبة الملء 21.6%، وفي فرنسا هي أقل من 20%، أما في هولندا فمستويات الملء جدّ متدنية. ومعلوم بأنّ هذه الأرقام حاسمة بالنسبة لأوربا، لأنها ببساطة تستعد لموسم إعادة الحقن الصيفي الذي يُفترض أن يهيئ المخزونات لفصل الشتاء المقبل.
في هذا السياق، حذّرت Oxford Economics من سيناريو قد تنخفض فيه مخزونات الغاز الأوروبية إلى ما دون عتبة 20% مع نهاية الصيف إذا استمرت الاضطرابات في سلاسل الإمداد، وهو ما من شأنه أن يجعل بلوغ الهدف المحدد عند 80% بحلول كانون الأول بالغ الصعوبة، حتى في حال تخفيف متطلبات معدلات الحقن اليومية.
وتستند هذه التقديرات إلى معادلة زمنية صارمة؛ فموسم إعادة التخزين محكوم بنافذة زمنية محدودة، وكل أسبوع يتعطل فيه التدفق الطبيعي للإمدادات يقتطع مباشرة من القدرة التقنية واللوجستية على التعويض لاحقاً. ومع استمرار غلق مضيق هرمز باستمرار العدوان على إيران، يتفاقم الضغط على السوق الأوروبية، لأن المشكلة مرتبطة باختلال هيكلي في دورة إعادة الملء نفسها، يتعلق الأمر لا بمجرد صدمة سعرية عابرة، وضع من شأنه أن يهدد بتحويل أزمة الإمدادات إلى فجوة تخزينية ممتدة قد تصل آثارها إلى فصل الشتاء المقبل.
قراءات بنوك الاستثمار.. الزمن ليس في صالح أوروبا
منذ أن قررت إيران توظيف ورقة هرمز كجزء من الرد على العدوان الأميركي-الصهيوني عليها، سارعت المؤسسات المالية إلى تعديل توقعاتها ذات الصلة بسوق الغاز الطبيعي. فقد رفع بنك “غولدمان ساكس” توقعه لسعر (TTF) في نيسان من 36 إلى 55 يورو.
بيد أنّ السوق تجاوزت هذه التقديرات خلال ساعات من إغلاق هرمز، وفي حال استمر سيناريو الإغلاق لمدة شهر، قد يبلغ السعر عتبة 74 يورو، وهو مستوى حين بلغته السوق خلال أزمة 2022 أدى إلى انكماش حاد في الطلب الصناعي ولا سيما داخل أوروبا. أما إذا تجاوز الانقطاع شهرين، فقد يقترب السعر من 100 يورو.
[3/5/2026 2:40 PM] صفاء: بدوره، حذّر بنك “جي بي مورغان” من أن بعض منتجي الخليج سيخفّضون إنتاجهم اضطرارياً خلال أسابيع قليلة إذا امتلأت صهاريج التخزين واستمر توقف الناقلات، وهو سيناريو قد يتحقق وفقاً لتوقعات البنك خلال 25 يوماً من الإغلاق التام لهرمز. أما محللو BMI التابعة لـFitch Ratings، فيرون أن الأسعار قد تبقى فوق 40 يورو حتى لو تراجعت التوترات بسرعة، لأن السوق أصبح يضيف سعراً إضافياً يعكس مخاطر الاضطرابات الجيوسياسية، وهو عامل لن يختفي فور زوال الأزمة، بل سيبقى جزءاً من طريقة تسعير الغاز في المرحلة المقبلة.
أحد العناصر البنيوية اللافتة في خضم هذه الأزمة هو محدودية القدرة الأميركية على زيادة الصادرات لتعويض ما فقدته أوروبا، فمحطات تسييل الغاز في الولايات المتحدة تعمل الآن بطاقتها القصوى تقريباً، وبالتالي، فإن استجابة إضافية للطلب الأوروبي ستكون متعذرة حتى مع ارتفاع الأسعار.
إعادة تشكيل التبعية الطاقوية الأوروبية
قبل عام 2022، كان الغاز الروسي يمثل نحو 41% من واردات الاتحاد الأوروبي، ثم تراجع هذا الاعتماد بصورة حادة بفعل الحرب في أوكرانيا، غير أن عملية التنويع قادت إلى تركّز الطلب على نحو أفرز تبعية أوروبية جديدة. ففي كانون الثاني 2026، وفّرت الولايات المتحدة 63% من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال، كما تعهّد الاتحاد الأوروبي بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار بحلول عام 2028، في سياق إعادة صياغة العلاقات عبر-الأطلسية التي فرضها ترامب على الأوروبيين.
لكن الأزمة الراهنة تكشف أنّ التحوّل من مصدّر إلى آخر لا يعني البتة تحقيق استقلال طاقي، ذلك أنّ الغاز الأميركي، رغم حجمه، يواجه سقفاً إنتاجياً هو أدنى من حجم الطلب الأوروبي، كما يشكّل تعطل الإمدادات القطرية بفعل الحرب الدائرة في المنطقة ضربة قاصمة للبديل الثاني في هيكل الواردات الأوروبية. وقد لخّصت تيريزا ريبيرا، نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، هذه الإشكالية بقولها إنّ “الانتقال من تبعية إلى تبعية أخرى لا يمكن أن يشكّل نموذجاً مستداماً للصمود والتنافسية”.
مخاطر اقتصادية واجتماعية محتملة
لا تنحصر تداعيات الأزمة الأوربية التي تلوح في الأفق بسبب إغلاق مضيق هرمز في حدود المؤشرات المالية، بل تتعداها إلى البنية الاجتماعية. فقبل التطورات الأخيرة، كان نحو 20% من مواطني الاتحاد الأوروبي غير قادرين على تدفئة منازلهم بصورة كافية، فيما عجز 28% عن سداد فواتير الطاقة خلال العام الماضي. ومن المؤكد أن ارتفاع الأسعار أكثر في ظل مخزونات منخفضة وسلاسل إمداد متوقفة لن يقود إلا إلى مفاقمة هشاشة هذه الفئات.
في هذا المشهد، تبدو إيطاليا في طليعة الاقتصادات المعرضة للمخاطر بحكم اعتمادها القياسي على الغاز القطري المسال بنسبة تصل إلى 45% من وارداتها وهي التي تستحوذ على 50% من إجمالي واردات أوروبا من الغاز الخليجي العابر عبر مضيق هرمز.
أما ألمانيا، بمخزونها الذي لا يتجاوز 21.6% وبقاعدتها الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، فتواجه ضغوطاً مزدوجة اقتصادية وسياسية. وفي دول أوروبا الشرقية، حيث تستحوذ الطاقة على نسبة أكبر من الدخل، قد تتحول الصدمة السعرية إلى عامل عدم استقرار داخلي مع اقتراب استحقاقات انتخابية.
هكذا إذاً تكشف الأرقام أن كلفة إغلاق مضيق هرمز على أوروبا تمر أساساً عبر قنوات السوق، حتى من دون انخراط عسكري مباشر، إذ تجد القارة العجوز نفسها أمام ثلاثة قيود متزامنة: تسعير فوري يدمج المخاطر الجيوسياسية بسرعة في حسابات التكلفة، قدرة محدودة على زيادة الإمدادات لدى الموردين الرئيسيين، وإرث قرارات استراتيجية أعاد تشكيل أنماط التبعية من دون توفير هامش أمان كافٍ.
هنا يصبح عامل الزمن هو المحدِّد الحاسم، فكل أسبوع إضافي من إغلاق مضيق هرمز يقتطع من قدرة أوروبا على إعادة ملء مخزوناتها ويقرّب دول الاتحاد الأوروبي من عتبة الثلاثين يوماً التي يربطها بعض المحللين باحتمال الانزلاق إلى أزمة صناعية واسعة. وإذا كان هذا التطور يوحي بفعالية طهران في توظيف أوراق قوتها وبلوغ أهداف استراتيجية الرد التي تتبعها، فإنّ استمرار التصعيد الأميركي الصهيوني من دون تحرك أوروبا لكبحه سيجعل كلفة الاضطراب باهظة عليها، وسيقع العبء الأكبر في نهاية المطاف على المستهلك الأوروبي الذي سيواجه ضغوطاً معيشية متراكمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى