ساعات الحسم النووي والرهان الأميركي بين التفاوض والردع

بقلم: أكرم بزي..
تتسارع دقات الساعة السياسية في المنطقة مع انعقاد جولة المفاوضات الحاسمة بين طهران وواشنطن، حيث لم يعد الملف النووي مجرد ملف تقني عالق في أروقة الوكالة الدولية، بل تحول إلى منصة لاختبار نيات القوّة بين إدارة دونالد ترامب والقيادة الإيرانية. وفي ظل أجواء مشحونة بالتصعيد العسكري والغموض الاستخباراتي، تبرز احتمالية عقد لقاء مباشر بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كإشارة قد تقلب الطاولة على سيناريوهات المواجهة، لتدخل المنطقة في مخاض دبلوماسي عسير تحكمه لغة التهديد المتبادل والبحث عن انتصارات استراتيجية تحت ضغط الوقت.
ومع هذا الاقتراب يزداد المشهد تعقيدًا، إذ دخلت طهران الجولة بسقف تفاؤل مرتفع بعد تقديم اقتراح متكامل يعيد برنامجها النووي إلى مستوى التزامات عام 2015، وهو ما يعني عمليًّا التخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 3,67% والقبول بنسبة تقارب 2% للاستخدامات المدنية، وفي المقابل لم تظهر واشنطن حماسة مشابهة بل رفعت منسوب التهديد، حيث يعيد دونالد ترامب التأكيد على منع إيران من امتلاك سلاح نووي ويتحدث عن صواريخ تهدد أوروبا والقواعد الأميركية بل وحتى الأراضي الأميركية مستقبلًا، واضعًا الدبلوماسية كخيار تحت سقف ردع صارم.
غير أن الساعات الأخيرة حملت تصعيدًا سياسيًّا وأمنيًا كبيرًا في واشنطن، حيث عقد ماركو روبيو بصفته القائم بأعمال مستشار الأمن القومي إحاطة سرية رفيعة المستوى لمجموعة 8 التي تضم كبار القادة من الحزبين في الكونغرس، وقد جاءت هذه الإحاطة في وقت حساس للغاية قبل خطاب حالة الاتحاد لترامب، حيث ناقش روبيو مع القادة السيناريوهات العسكرية المحتملة ضدّ طهران في حال فشل المسار الدبلوماسي، وقد أثارت هذه التحركات مخاوف واسعة لدى المعارضة الديموقراطية، حيث خرج زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك تشومر بتصريح مقتضب أشار فيه إلى أن الأمر جدي وخطير للغاية، مطالبًا إدارة ترامب بضرورة طرح قضيتها علانية أمام الشعب الأميركي وعدم إبقاء الخطط العسكرية طي الكتمان، محذرًا من أن العمليات السرية غالبًا ما تؤدي إلى حروب طويلة ومآس وتكاليف باهظة، كما انضم إليه زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز الذي شكك في مصداقية الرواية الرسمية متسائلًا عن التناقض بين ادعاء ترامب السابق بأن الضربات دمرت القدرات النووية الإيرانية وبين الحديث الحالي عن ضرورة شن ضربات جديدة.
وفي خضم هذا الحراك، يبرز الموقف “الإسرائيلي” كعامل ضغط محوري لا يهدأ، حيث تراقب تل أبيب مسار جنيف بعين الريبة والتحفز، معتبرة أن أي اتفاق لا يتضمن تفكيكًا كاملًا للبنية التحتية النووية وتقييدًا شاملًا لبرنامج الصواريخ الباليستية هو مجرد منح طهران وقتًا إضافيًا، وتدفع الحكومة “الإسرائيلية” نحو تبني واشنطن لنهج الخيار العسكري الواقعي على الطاولة، مؤكدة أنها لن تلتزم بأي تفاهمات لا توقف ما تصفه بالتهديد الوجودي، وهي تسعى جاهدة لإقناع إدارة ترامب بأن حلفاء إيران في المنطقة سيظلون يشكلون خطرًا مستدامًا ما لم يتم ربط الملف النووي بإنهاء النفوذ الإقليمي الإيراني بشكل جذري.
بالتوازي مع هذه التوترات، صدرت عن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف اتهامات لبريطانيا وفرنسا بالسعي لتمكين أوكرانيا نوويًّا، ملوحًا برد نووي تكتيكي وهو ما فتح باب التكهنات حول احتمال نقل تكنولوجيا نووية إلى خصوم الغرب ومنهم إيران وحلفاؤها، كما جرى تداول معلومات عن تسجيل هزات أرضية محدودة في مناطق صحراوية إيرانية ربطها البعض بتجارب نووية، إلا أن مثل هذه الاستنتاجات تبقى ضمن إطار التكهنات غير المؤكدة علميًا، إذ إن النشاط الزلزالي الطبيعي يظل احتمالًا واردًا، وفي الوقت نفسه تتحدث التقارير عن حشد عسكري أميركي واسع شمل وصول مقاتلات F – 16 وF – 22 إلى المنطقة، غير أن هذا الانتشار لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتّخذ، فخوض مواجهة مع إيران يختلف جذريًا عن العمليات الخاطفة نظرًا لتعقيد الجغرافيا الإيرانية وحجم القدرات الصاروخية التي يمتلكها حلفاء إيران في المنطقة.
إذا أفضت جولة المحادثات في جنيف إلى تفاهم فسيخرج ترامب ليعلن انتصارًا تاريخيًّا باعتباره انتزع تنازلات تحت ضغط الردع، أما إذا فشلت فستدخل المنطقة مرحلة تصعيد مفتوح مع احتمال انخراط أطراف عدة وفي مقدمتها “إسرائيل” التي لا ترى في أي اتفاق جزئي ضمانة كافية لأمنها. وبين التفاؤل الإيراني والتحفظ الأميركي والتصعيد الروسي يبقى الثابت الوحيد أن المنطقة تقف على حافة دقيقة، وحتى اللحظة لا يوجد دليل معلن على امتلاك إيران سلاحًا نوويًّا استراتيجيًا، لكن في مناخ تتقاطع فيه الرسائل العسكرية مع المناورات التفاوضية يصبح الغموض نفسه أداة ضغط، فالمشهد مفتوح على احتمالين، إما تفاهم يضبط الإيقاع ويؤسس لمرحلة استقرار نسبي، أو انهيار يقود إلى مواجهة قاسية لا يمكن التكهن بمداها، وفي ظل هذه الحسابات المعقدة يظل قرار ترامب معلقًا برؤية مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر حول جدية طهران في التوصل إلى اتفاق نهائي.



