اراء

مدارات القوة.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي وصراع الفضاء صياغة حروب المستقبل؟

بقلم: علي أبي رعد..
لم يعد الفضاء الخارجي مجرّد امتداد علمي أو مدار للأقمار الاصطناعية، بل استحال جوهر الصراع العسكري المعاصر ومنطلق السيطرة على مسرح العمليات الأرضي.
فمنظومات القيادة والسيطرة وإدارة المعارك الحديثة باتت ترتبط بعلاقة تبعيّة شبه كاملة للأقمار الاصطناعية، بحيث أصبح من يفرض هيمنته على المدارات الأرضية يمتلك عملياً الرؤية الشاملة والقدرة على تحديد إيقاع الحرب وحدودها.
وفي هذا الفضاء المحتدم، برزت استراتيجية “إعماء العدو” كنهج بنيوي يهدف إلى تحييد القدرات الفضائية المعادية، عبر شلّ أنظمة التموضع العالمي وتعطيل الصواريخ الموجّهة والطائرات المسيّرة، وصولاً إلى قطع شبكات الاتصالات المشفّرة، مما يؤدّي في نهاية المطاف إلى حالة من الشلل التامّ في القدرات القتالية التقليدية والحديثة على حد سواء.
وتتجسّد عسكرة الفضاء اليوم في منظومة متكاملة تدمج بين الأسلحة الحركية التقليدية، كالصواريخ المضادة للأقمار، والأسلحة غير الحركية الأكثر تعقيداً مثل الليزر الموجّه لتدمير المستشعرات، والتشويش الإلكتروني المصمّم لتعطيل البيانات من دون إحداث تدمير مادي ملموس.
ويتخذ هذا الصراع طابعاً أكثر حدّة مع دخول “أسلحة الطاقة الموجّهة” كلاعب محوري يعيد تعريف مفهوم الاشتباك؛ فهذه الأسلحة، التي تشمل الليزر عالي الطاقة والموجات الميكروية المكثّفة، لا تعتمد على المقذوفات المادية التي تخضع لقوانين الجاذبية والاحتكاك، بل تطلق حزماً طاقية بسرعة الضوء لتدمير أهدافها.
وفي الفضاء، حيث ينعدم الغلاف الجوي الذي يشتّت الضوء، تصبح هذه الأسلحة أدوات جراحية فائقة الدقة؛ إذ يمكن لنبضة ليزرية مركّزة أن تحرق المستشعرات البصرية للقمر الاصطناعي أو تصهر داراته الإلكترونية في أجزاء من الثانية ومن مسافات هائلة، من دون أن تترك خلفها دليلاً مادياً واضحاً أو حطاماً فورياً كما تفعل الصواريخ التقليدية.
وتتجاوز خطورة هذه الأسلحة مجرّد التدمير المادي إلى القدرة على “التعطيل غير القابل للنقض”، حيث يمكن لأجهزة الموجات الميكروية أن تكتسح مساحات مدارية واسعة لتُعطب كلّ الأنظمة الإلكترونية المعادية دفعة واحدة، مما يوفّر ذخيرة لا نهائية تعتمد فقط على مصدر الطاقة، ويمنح المهاجم قدرة استنزاف هائلة تفوق كلفة الصواريخ الدفاعية بمراحل.
ومع اندماج الذكاء الاصطناعي في قلب هذه الترسانة، انتقل الصراع إلى طور “الحرب الفائقة”، حيث تتخذ الخوارزميات قرارات الهجوم والدفاع في زمن يقلّ عن قدرة الإدراك البشري، مستفيدة من قدرتها على التنبؤ بأنماط المناورة وتحديد الثغرات اللحظية في دروع العدو.
هذا التحوّل التقني أفرز أقماراً اصطناعية ذاتية القيادة قادرة على خوض مبارزات مدارية والقيام بمهام إصلاح أو تخريب مبرمجة سلفاً، لكنه في المقابل أضعف مفهوم الردع التقليدي؛ فالضربة الأولى المباغتة التي ينفّذها العقل الآلي قد تغري القوى العظمى بتجاوز الخطوط الحمر، خاصة مع معضلة “الصندوق الأسود” التي قد تجعل الذكاء الاصطناعي يفسّر خللاً تقنياً عارضاً كعمل عدائي، مطلقاً ردّاً تلقائياً يقود إلى تصعيد واسع غير محكوم بقرار سياسي واعٍ.
هذا التحوّل التقني أفرز جيلاً جديداً من الأقمار الاصطناعية ذاتية القيادة، القادرة على المناورة لتفادي الهجمات وتنفيذ مهام إصلاح أو عمليات هجومية مبرمجة من دون تدخّل بشري مباشر، لكنه في المقابل يطرح تبعات استراتيجية وأخلاقية مقلقة. فقدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ هجمات مباغتة تعطّل أنظمة الإنذار المبكر قد تغري القوى العظمى بتبنّي استراتيجية “الضربة الأولى”، مما يؤدّي إلى تآكل مفهوم الردع التقليدي.
كما يبرز خطر التصعيد غير المقصود نتيجة معضلة “الصندوق الأسود”، حيث قد تفسّر الخوارزميات ظواهر طبيعية أو أخطاءً تقنية كتهديدات معادية، فتطلق ردّاً تلقائياً يقود العالم إلى نزاع واسع النطاق يفتقر إلى القرار السياسي الواعي أو التبرير الأخلاقي والقانوني الواضح.
وعلى الصعيد التقني، يواجه العالم تحدّي “متلازمة كيسلر”، حيث يمكن لأيّ اشتباك عسكري أن يحوّل الأقمار الاصطناعية إلى سحب من الحطام الفضائي الذي يدمّر بصورة متسلسلة بقية الأقمار، مما قد يحوّل المدار الأرضي إلى ساحة غير صالحة للاستخدام لعقود طويلة.

وينعكس هذا الواقع بظلاله الثقيلة على الأمن القومي في منطقة الشرق الأوسط، إذ يؤدّي امتلاك هذه التقنيات إلى اختلال عميق في موازين القوى؛ حيث تفقد الجيوش الكبيرة تفوّقها أمام ضربات دقيقة تعتمد على المعرفة اللحظية لا الكتلة البشرية. ومع تصاعد تكلفة المواجهة المباشرة، تتجه القوى الإقليمية نحو الحروب الهجينة والهجمات السيبرانية وأسلحة الطاقة الموجّهة، بوصفها أدوات صامتة وأقلّ كلفة لتحقيق التفوّق، في ظلّ فراغ قانوني إقليمي وفجوة تقنية ناتجة عن الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، مما يضع المنطقة أمام سباق تسلّح جديد وقلق، عنوانه السيطرة على الفضاء والعقل الآلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى