مصير الأسرى بين أخلاقيات الإبستيمولوجيا والإبستينولوجيا

بقلم: وداد البرغوثي..
في اللحظة التي انتهيتُ من كتابة هذا المقال، جاء خبر عاجل باقتحام بن غفير وحاشيته سجن عوفر القريب من رام الله، إذ توزع رجاله المدججون بسلاحهم أمام غرف السجن المغلقة بعدما حشروا فوهات أسلحتهم الرشاشة في فتحات أبواب غرف الأسرى متخذين وضع الاستعداد لإطلاق النار.
لك قارئي العزيز أن تتخيل ماذا بعد، فكل شيء ممكن ومحتمل. أي شيء يهدئ قلب أم فلسطينية تمطرها نشرات الأخبار كل يوم باحتمال إعدام ابنها الأسير؟ منذ أن تسلم المدعو إيتمار بن غفير وزارة الأمن الداخلي في حكومة نتنياهو وهو يتفنن في آليات التعذيب للأسرى الفلسطينيين، ويبتكر الطريقة تلو الطريقة لقمعهم والتنكيل بهم وتجويعهم، حتى غدا من الصعب على ذوي الأسير ومعارفه أن يتعرفوا إليه من شكله لشدة ما نحل وطال شعره ولحيته وتهلهلت ثيابه.
ولا تتوقف ماكينة الاعتقال مطلقاً، إذ ذكرت آخر الإحصائيات أن عدد الأسرى بلغ 9800، ناهيك عن أن حملات الدهم مستمرة، ويبلغ متوسط عدد الاعتقالات الليلية في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وحدها والحواجز المقامة بينها أو على مداخلها 40-50 معتقلاً في الليلة الواحدة، ولم يسلم منها رجل شاب أو كهل أو طفل أو امرأة، حتى بلغ عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية وحدها منذ السابع من أكتوبر بحسب آخر تحديث لإحصاءات نادي الأسير الفلسطيني 22 ألف حالة اعتقال، ناهيكم عن الاعتقالات داخل قطاع غزة وداخل الأراضي المحتلة عام 1948.
منذ السابع من أكتوبر 2023، انقطعت أخبار الأسرى عن ذويهم سوى ما يعلن منها في الأخبار، أو من أسير تحرر من السجن ذاته، والقسم ذاته، والغرفة ذاتها، فلا زيارات أهل ولا محامون ولا مؤسسات دولية ولا حقوقية. وإذا كان الأسير يتعرض لعقوبة منع الزيارة والعزل أو أهله ممنوعون من الزيارة أو التصاريح منتهية منذ مدة كحال كاتبة هذه السطور التي انتهى تصريحها وعائلتها قبل بدء الحرب بأربعة أشهر، فإن زمن الحرمان امتد إلى اثنين وثلاثين شهراً حتى الآن، والحبل على الجرار، فلا يعرف أحد ولا الصليب الأحمر متى يمكن أن “يتكرم” بن غفير وينعم على الأسرى بزيارة ذويهم.
فآلاف الأسرى الذين انتظروا الإفراج عنهم خلال صفقات التبادل خاب أملهم وأمل أهلهم بسبب صلف الاحتلال وعنجهية حاضنته، وصمت العالم وعجز المؤسسات وحجم التخاذل العربي.
بن غفير كتفاً بكتف مع الحكومة الأكثر نازية في تأريخ الاحتلال وإدارات السجون تفتقت قرائحهم عن قانون إعدام الأسرى الذي أقره البرلمان الصهيوني بالقراءة الأولى، وبدأوا بوضع آليات وسيناريوهات تنفيذه.
وحرب الإبادة التي ينبغي أن تكون قد توقفت في غزة ولبنان منذ أن وُقعت اتفاقيات وقف إطلاق النار ما زالت مستمرة لأنها مرهونة بـ”أخلاق ترامب” التي هي الفيصل، كما صرح.
ما الذي أنتظره بعدما غابت أخباره سوى ما يرشح من الأسرى الذين أفرج عنهم سوى أنه في الحجر بسبب إصابته بالسكابيوس؟ ماذ أتوقع وقد أخبرتُ أنه تم نقله منذ شهرين إلى قسم 12 في سجن نفحة الصحراوي، هذا القسم الذي نقلوا إليه الأسرى الذين بلغت أوزانهم دون 50 كيلوغراما؟
قضية الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين واحدة من مئات بل وآلاف القضايا العالقة في انتظار تحول يقلب الطاولة على “أباطرة العالم” وتغولهم، ليعرفوا أن العالم أوسع من جزيرة إبستين، وأن هناك قوى غيرهم وغير أسماك القرش التي تطل على الجزيرة من مدخلها الخاص الخفي، في انتظار المزيد من الأطفال الضحايا لتلتهمهم في عرض البحر، فلا يعثر أحد على بقايا أو دليل إدانة ضدهم يكشف وحشيتهم أمام العالم الواهم بأخلاقياتهم؟
فهؤلاء الإبستينيون هم المسؤولون، وهم من يقررون مصائر أبنائنا وبناتنا في الأسر، مصائر بلادنا وبيوتنا، حياتنا وموتنا، بقائنا في الوطن أو ترحيلنا. أمة عربية كاملة لا تملك حق الاعتراض أو القرار، فأقصى ما تستطيعه أن تكون وسيطاً، وبطبيعة الوسيط يقف في المنتصف بين طرفين، للأسف الوسيط الأميركي طرف مع العدو والوسطاء العرب مجرد طرف محايد حياداً سلبياً، في وقت يُنتظر منهم أن يكونوا طرفاً في الصراع يقف مدافعاً عن قضايا أمته.
وكما يتعاظم القلق على مصائر الشعوب، يتعاظم قلقنا، نحن الأمهات وذوو الأسرى، فلسطينيين ولبنانيين، على أبنائنا وبناتنا إخواننا وأخواتنا المحكومين بالأخلاق الإبستينية، هذه الأخلاق التي كان حرياً بكشفها أن يقلب كل الموازين على رؤوس المجرمين الذين أغرقوا العالم فيما ادّعوا أنه علم المعرفة المصطلح عليه بالإبستيمولوجيا ليتضح أنهم كانوا غاطسين حتى الأذنين في مستنقع آسن من الإبستينولوجيا.
أبناءنا أحباءنا الأسرى، أنتم في القلب والعين، لكننا في علم لا قلب له ولا عين، فربما نحن الآن في حلكة الفجر الأشد، لكنها تتنبأ بمطلع الصبح.



