ما بعد مؤتمر ميونخ .. هل تطوي القوى الأوروبية حقبة الأحادية الأمريكية؟

بقلم: وسام إسماعيل..
من خلال مقاربة الظروف التي أحاطت بمؤتمر ميونخ بنسختيه الأخيرتين وبظروف العلاقة بين ضفتي الأطلسي التي أعاد الرئيس الأمريكي تعريفها منذ عودته إلى البيت الأبيض بداية عام 2025، يمكن القول إن المؤتمر الحالي لم يتمحور حول كيفية تعريف الأمن الأوروبي في إطار التحالف مع التأريخي مع الولايات المتحدة الأميركية، إنما في إطار وضع تعريف جديد للأهداف التي تستهدفها الولايات المتحدة في إطار علاقاتها الخارجية، أي الدفع لإعادة تعريف مفهوم الهيمنة الغربية التي سادت كفهوم حاكم للتوجهات الأوروبية ولكيفية صياغة الاتحاد الأوروبي لمفهومه الخاص للأمن الجماعي.
ورغم أن الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كان أقل قسوة من خطاب نائب الرئيس جيه دي فانس في نسخة ميونخ 2025 وأكثر تعبيراً عن امتنان الولايات المتحدة للمسار الأوروبي طيلة العقود الماضية، فإن خطابه لم يكن بمنزلة تخلٍ عن رؤية جي دي فانس، إنما مجرد محاولة لتفادي إظهار عمق الخلاف بين ضفتي الاطلسي على أنه حاسم في نتيجته كمسبب لافتراق استراتيجي.
قد يظن البعض أن جوهر التوجه الأميركي الذي عبر عنه ماركو روبيو قد ينحصر في دعوته لإصلاح المنظومة الغربية وفق متطلبات المرحلة التي فرضت اختلافاً جذرياً في الرؤى بين ضفتي الأطلسي حول السياسات الاقتصادية والهجرة والمناخ والطاقة والحدود والدفاع دون أن ننسى المنظمات الدولية، لكن القراءة المعمقة لخطابه، معطوفةً على استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، تؤكد أن الهدف النهائي لا يخرج إطار تفكيك هذه المنظومة ومحاولة بنائها بطريقة تناسب التوجهات الأميركية الجديدة، وبما يؤكد أنها لا تتناسب أبداً مع المسار المعروف لتوجهات الاتحاد بين الدول الأوروبية.
إذا كان المنطق الأميركي يفترض البحث عن أوروبا قوية وإعادة تعريف رؤيتها للأمن والمناخ والسيادة والحدود، فإن التوجه الأميركي لتعزيز الروابط مع الأحزاب الوطنية في أوروبا وإلقاء اللوم على الليبراليين في أوروبا واتهامهم بتسريع انهيار أوروبا حضارياً واقتصادياً، وبالتالي سياسياً، لا يدل على قناعة أميركية بجدوى تطوير الاتحاد الأوروبي ككيان متماسك ذي سيادة متفوقة على سيادة دوله. بطبيعة الحال، يؤكد الشعار الذي يردده ترامب دائماً “أمريكا أولاً” يعني البحث عن نظام دولي يضمن المصالح الأميركية الضيقة أولاً، ويطرح إمكانية تفضيل الولايات المتحدة لقيام نظام تحكمه الصفقات الظرفية، وتسود فيه المصالح الخاصة، وتهيمن فيه معايير القوة على حساب القواعد والمبادئ الذي نشأت الاستراتيجية الاتحادية الأوروبية في ظلها منذ زمن الحرب الباردة.
لقد أظهر مؤتمر ميونخ عمق الانقسام الحاد بين ضفتي الأطلسي رغم التصفيق الحار الذي رافق خطاب ماركو روبيو، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يتردد عن حث الأوروبيين على الاعتزاز بالنفس، وأكد أن أوروبا ستضع بنفسها ملامح أمنها المستقل، كما أعلن أن فرنسا بصدد عقد مشاورات نووية استراتيجية مع الحلفاء، وألمح إلى نيته استبعاد ترامب عن المفاوضات مع روسيا، إذ إن الأوروبيين وحدهم هم الذين يعيشون على جانب روسيا.
الواقع الحالي الذي عبر عنه قادة أوروبا لا يدُل على تجاوب مع التوجه الأميركي، إنما يمكن تصنيفه في إطار خطة مضادة قد تنسف في حال نجاحها أطر التحالف التقليدي بين الحليفين. ورغم عدم اليقين من إمكانية نجاح أوروبا في بلورة توجهاتها على أرض الواقع بشكل سريع ومباشر نتيجة العجز البنيوي الذي يعتري جوهر التحالف الأوروبي ونتيجة استمرار التمسك بحلف الأطلسي كإطار حاكم للتوجهات الأمنية الأوروبية، مع الإشارة هنا إلى معرفة أوروبا بخضوع الحلف بنيوياً وعلى مستوى القرار للولايات المتحدة، فإن من نتائج هذا الواقع سقوط فرضية التحالف المتكامل وفق المفهوم الذي كنا قد اعتدناه تأريخياً.
الواضح اليوم أن الرؤية الأميركية الحالية لا تعني التخلي عن القيادة أو الهيمنة، إنما إعادة توزيع الوظائف، وكذلك إعادة صياغة التكتل الأوروبي بطريقة تناسبها، وحتماً بطريقة تظهر حقيقة تصنيفها للقوى الأوروبية على أنها ليست كياناً شريكاً بطريقة نِدِّية، إنما مجرد أدوات يمكن تعديل تركيبتها ووظيفتها متى كان ذلك ضرورياً.
وما يمكن اعتباره من المُسلَّمات أن القارة الأوروبية شكلت تأريخياً رأس حربة الأحادية الأميركية في مواجهة روسيا والصين، وفي التحكم في الشرق الأوسط ودول جنوب المتوسط. وبالتالي، فإن أي خطوة دراماتيكية أوروبية في هذا الإطار ستؤدي حتماً إلى المساعدة في طي صفحة الأحادية الأميركية بشكلها التقليدي وبعنوانها الترامبي المستند إلى القوة ورفض الالتزام بقواعد النظام الدولي.



