“وقت إضافي” مرآة شفيفة لروح وطن عاش أعباء أحداث وويلات قاسية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يعقوب العبدالله أن “مسرحية “وقت إضافي” التي أخرجها أسامة السلطان وكتبها مثال غازي، لم تكن مجرد حكاية عن رجل يواجه نهايته، بل كانت استعارة متقنة لمعنى الوطن عبر المزج بين الحبكة الدرامية المسرحية والواقع.
وقال العبدالله في قراءة نقدية خص بها” المراقب العراقي”:” لا زال المسرح العراقي ينبض بالجمال والإبداع حيث عشنا في ليلة بغدادية استثنائية ، لاحتضان مسرح الرشيد العريق عرضاً مسرحياً مبهرا ، يمتزج بين الحبكة الدرامية المسرحية والواقع ، بدا وكأنه ليس مجرد عمل فني عابر ، بل مرآة شفيفة لروح وطن عاش أعباء أحداث وويلات قاسية” .
وأضاف: أن “مسرحية “وقت إضافي” التي أخرجها أسامة السلطان وكتبها مثال غازي ، وجسدتها على الخشبة نخبة من ألمع نجوم الدراما العراقية ، لم تكن مجرد حكاية عن رجل يواجه نهايته ، بل كانت استعارة متقنة لمعنى الوطن : يتعب ، يمرض ، يقترب من الرحيل ، ثم يعافيه الحب” .
وتابع: إن “بداية العرض كانت على خشبة مسرح الرشيد الذي شهد على عقود من الإبداع العراقي، حيث تألقت الفنانة الكبيرة هناء محمد بتقديم شخصية المرأة العراقية المعروفة بصلابتها وجمال عاطفتها التي لا تنقذ زوجها من مرضه الذي شارف على إنهاء حياته فحسب، بل راحت تنقذ فكرة الأمل من براثن اليأس، متخطية بشجنها المعهود كل حواجز اليأس والاستلام، استطاعت أن تحوّل الدور إلى أيقونة للمرأة العربية التي تحمل وطنها على كتفيها من جهة وحبها ووفاءها من جهة أخرى، لا تبكي، بل تزرع الأمل لمستقبل واعد”.
وأوضح :” أن الفنان مازن محمد مصطفى في الجهة المقابلة أبدع في تجسيد الرجل الذي يرحل قبل رحيله حاملاً على وجهه وجسده تعب سنين، وآلام المرض والنهاية المحتومة ، ولكنه ينهض من جديد ، ليس بقدرته الذاتية فقط ، بل بقدرة من أحبّته وعلى قدر الإيمان به”.
وواصل:”أما الفنان الرائع إحسان هاني، فجاء بمخزونه التمثيلي العميق ليضفي على العرض طبقات إضافية من المعنى، مكملا ومجسدا معاني الإبداع المسرحي، بينما أثبت الشاب الواعد حمزة الزكلابي أن جيلاً مسرحياً جديداً يطرق أبواب المسرح، لكن ما يصنع الفارق الحقيقي في هذا العمل هو تلك المعادلة البصرية التي أتقنها المخرج أسامة السلطان، الذي لم يكتفِ بنقل النص إلى الخشبة، بل نفخ فيه روحاً بصرية آسرة كل إضاءة، كل حركة ، كل صمت كان يحمل دلالة، حابسا أنفاس الجمهور من خلال تجسيد عمل متكامل بإخراج يلائم ذائقة المتلقي لكل مجريات المسرح. وللكاتب مثال غازي كانت بصمة في إيصال فكرته الذي راهن على أن الوجع الوطني لا يحتاج إلى خطابات إنشائية ، بل يكفيه همس شخصيات تعيش تفاصيله دون تصريح”.
وأشار الى أن”وقت إضافي” في جوهرها ليست سيرة رجل واحد عانى مرضا وكان يعد أياما ليفارق الحياة ، بل سيرة وطن عراقي وعربي ، مرَّ بظروف عصيبة، كادت أن تودي به، لكن نساءً ورجالاً آمنوا به، منحوه الحب والوفاء بصدق من قلوبهم ، من أنفاسهم ليشرق بصورته المتعافية”.
ولفت الى أن”الوطن جسد من خلال العرض المسرحي هنا ليس فكرة مجردة، بل ذلك الرجل المتعب على السرير، وتلك المرأة التي تمسك بيده، وأولئك الذين ينتظرون في الغرفة المجاورة”.
وأكمل :”حين أسدل الستار في مسرح الرشيد، لم يغادر الجمهور وحدهم. غادروا وفي قلوبهم سؤال: ألسنا جميعاً في وقت إضافي؟ أليست هذه العقود التي نعيشها هي الوقت الإضافي الذي منحته لنا الحياة كي نصحح ما أفسده الدهر من خلال الحصار والحروب التي عصفت به، ربما يكمن سر جمال هذه المسرحية في أنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك الجمهور يحمل همّ السؤال إلى بيته، إلى شارعه، إلى وطنه”.
وختم بالقول إن” “وقت إضافي” ليست مجرد عرض مسرحي عراقي، بل شهادة فنية على أن الفن قادر، ويرزح تأثيرا في الشارع المثقف والجمهور البسيط رغم كل شيء، على أن يكون صرخة أمل في زمن الموجوع”.



