هل يمكن أن تحتل “إسرائيل” الضفة من جديد؟

الكاتب: يحيى الصادق..
لم تكتفِ حكومة نتنياهو بمسح قطاع غزة عن خريطة العمران الفلسطيني، وما رافق ذلك من عملية إبادة جماعية لأكثر من 100 ألف فلسطيني مدني، وإنما زادت من عملية قضمها لأراضي الضفة الغربية عبر توسيع دائرة الاستيطان، تدمير البنى التحتية في مدنها وقراها، ومحاولة خنقها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وصولاً إلى طرح قانون في الكنيست يقضي بضمّ الضفة الغربية.
وليس هذا فحسب، فمنذ أكثر من عام و”إسرائيل” تحتلّ مزيداً من الأراضي في لبنان وسوريا في استعادة واضحة لسيناريو محدّث عن عدوان الخامس من حزيران عام 1967.
لقد أثبتت الأشهر الماضية، والتي أعقبت السابع من أكتوبر عام 2023، أنّ “إسرائيل” بات بإمكانها أن تفعل ما تريد وبدعم أميركي واضح، فكلّ الخطوط الحمر التي حكمت قواعد الاشتباك الإسرائيلي مع المحيط العربي خلال العقود التي أعقبت مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 تغيّرت، لا بل لم تعد هناك أيّ خطوط حمر بعد اغتيال سماحة السيد حسن نصر الله، التهديد باغتيال المرشد الأعلى في إيران، واستهداف الدوحة، فضلاً عن التهديدات الموجّهة لدول رئيسية في المنطقة كمصر، السعودية، تركيا، وغيرها من الدول العربية والإسلامية.
والسؤال المركزي هنا: هل يمكن أن تقوم “إسرائيل” باحتلال مباشر للضفة الغربية مجدّداً خلال الفترة المقبلة؟ وقلنا “إسرائيل” وليس حكومة نتنياهو، لأنّ أيّ حكومة جديدة ستأتي لن تكون أقلّ تطرّفاً ودموية من الحكومة الحالية، ولن تفرّط بما يعتبره الإسرائيليون جميعاً تغييراً جديداً في قواعد اللعبة بالمنطقة.
يرى البعض أنه بعد كلّ ما جرى في المنطقة، وما شهدته من تحوّلات سياسية كبرى، فإنّ السؤال بات على النحو الآتي: متى تحتلّ “إسرائيل” الضفة الغربية؟ وكيف؟
إلى جانب الرغبة الإسرائيلية المتزايدة رسمياً وشعبياً بإطلاق “رصاصة الرحمة” على اتفاقية أوسلو وما تلاها من تفاهمات وإجراءات، والتي هي بنظر فريق من الإسرائيليين كانت بمنزلة تنازل عن أرض “إسرائيل التاريخية”، وتهديد وجوديّ لمستقبل الكيان فيما لو خرجت إلى الوجود دولة فلسطينية مستقلة كما يطالب الفلسطينيون، فإنّ حكومة نتنياهو لم تجد مهرباً من تحمّلها لتبعات عملية “طوفان الأقصى” سوى إشغال الداخل الإسرائيلي بحرب أوسع تصحّح ما طرأ على الجغرافيا من متغيّرات خلال العقود الماضية، وكلّ ذلك بحجة تحصين البلاد من تكرار أيّ هجوم مستقبلي على غرار “طوفان الأقصى”.
وبذلك، فإنّ هناك مسارين يتوقّع أن تسلكهما “تل أبيب” في التعامل مع ملف الضفة الغربية، وذلك تأسيساً على موقفها من قطاع غزة خلال الفترة الماضية، سواء لجهة ترسيخ سيطرتها الأمنية على القطاع، أو سرديتها لسبل إدارة القطاع والأطراف التي يمكن أن تشارك بذلك.
المسار الأول يستهدف إعادة احتلال مباشر للضفة الغربية تدريجياً، وما يشكّله ذلك من انهيار للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهناك تفويض قانوني من الكنسيت، وإن بشكل غير مباشر.
لكنّ مثل هذا الخيار سوف يرتّب كلفة باهظة على “إسرائيل” ليست هي حالياً بوارد تحمّلها. فهي من ناحية ستكون في مواجهة تصاعد أعمال المقاومة الفلسطينية، وبالتالي فإنّ خسائر الكيان الصهيوني ستكون كبيرة، وهذا ما تؤشّر إليه الاقتحامات التي تجري حالياً لمدن الضفة وقراها وما تشهده من مقاومة مشروعة لأبناء الشعب الفلسطيني.
ومن ناحية أخرى فإنّ “إسرائيل” ستكون معنية بإدارة 3 ملايين فلسطيني وتوفير ما يحتاجونه من خدمات وفرص العيش، وبهذا سوف تترتّب مليارات الدولارات على الخزينة الإسرائيلية، والتي تعاني أصلاً من تدهور في إيراداتها على خلفية الحرب على قطاع غزة.
سياسياً مثل هذا السيناريو سيضرّ بعلاقات “تل أبيب” الخارجية، وخاصة مسار الاتفاقيات الإبراهيمية التي يعوّل عليها الرئيس ترامب في إحلال السلام في الشرق الأوسط، والإمارات العربية المتحدة وجّهت تحذيراً واضحاً من أنّ ضمّ الضفة الغربية يعني إلغاء اتفاقية السلام معها، فيما السعودية تربط توقيع أيّ اتفاقية سلام مع “إسرائيل” بتأسيس دولة فلسطينية مستقلة، وهكذا.
وبالتالي فإنّ المسار الثاني يبقى هو الأكثر ترجيحاً خلال الفترة المقبلة. وهو يقوم على تعزيز “إسرائيل” لقبضتها الأمنية على الضفة الغربية، وإرهاق مدنها وقراها بالاقتحامات والحصار والتدمير والتخريب. وهذا لن يقابل عربياً ودولياً إلا بمزيد من الانتقادات والبيانات الصحفية، إنما الخطر الأكبر يبقى في إمكانية أن تؤدي تلك الإجراءات إلى تقويض عمل السلطة الفلسطينية فعلياً، وما يعنيه ذلك من تصاعد في أعمال المقاومة المسلحة، والتي لن تكون عندئذ حكراً على مدن كجنين وطولكرم، عمليات قد تشكّل شرارة لانتفاضة شعبية جديدة على غرار الانتفاضات السابقة، ولا سيما مع تعمّق التدهور الحاصل في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عموم أرجاء الضفة.
فالدراسات الرسمية الفلسطينية تشير إلى أنّ نحو 52.6% من المنشآت الاقتصادية في شمال الضفة الغربية توقّفت عن العمل بشكل دائم أو مؤقت بسبب الاقتحامات والعمليات العسكرية.
كما أنّ الخسائر الواسعة في البنية التحتية والمرافق الحيوية والدمار المباشر للمحلات، تسبّب بفقدان رؤوس أموال وأصول ثابتة لدى 18.7% من المؤسسات التي شملتها الدراسات ميدانياً، وبانخفاض كبير في الإنتاجية، بحيث أنّ نحو 87.4% من المؤسسات تعمل دون طاقتها الإنتاجية الطبيعية، مع متوسط هبوط في الإنتاج بقيمة 58.4%.
وفي تحليل لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني حمل عنوان “الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لحرب الإبادة الإسرائيلية على شمال الضفة الغربية” جاء أنّ الإجراءات العسكرية الإسرائيلية لا تُعدّ مجرّد عمليات عسكرية عابرة، بل تستهدف البنية الاجتماعية والاقتصادية للسكان الفلسطينيين بشكل ممنهج عبر ما وصفته الورقة بـ “الإبادة الاقتصادية والاجتماعية”. وهناك دراسات أخرى تشير إلى أنّ تقييد الحركة والاقتحامات المتكرّرة وتقسيم المناطق أسهمت في جعل الفلسطينيين يعيشون في حالة اقتصادية متدهورة تزيد معها معدلات الفقر والبطالة وتقوّض قدرة المجتمع على تحمّل الصدمات.
في المحصّلة، لا يبدو أنّ “إسرائيل” تتجه في المرحلة الراهنة إلى احتلال مباشر شامل للضفة الغربية، ليس لغياب القدرة، بل بسبب الكلفة المترتّبة على هذا الخيار. إلّا أنّ السياسات الحالية تشير إلى نموذج سيطرة أمنية موسّعة وغير معلنة، قد يحمل في طيّاته مخاطر طويلة الأمد، سواء على الاستقرار في الضفة الغربية أو على الأمن الإقليمي ككلّ.



