اراء

أربع تحولات تهدّد وجود “إسرائيل”

بقلم: عمر معربوني..
يقول العلم العسكري إن القوّة لا تعنى النصر دائمًا، لكن ما يحدث اليوم في “إسرائيل” يتجاوز مجرد تعثر عسكري عابر. نحن أمام مشهد تاريخي غير مسبوق بكلّ المقاييس “الجيوسياسية”. نحن أمام جيش يمتلك أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحربية والذكاء الاصطناعي، لكنّه رغم ذلك يفقد أهم ميزة إستراتيجية وهي التفوق الحاسم. نحن أمام قوة كانت تُسوِّق لنفسها لعقود كضحية تاريخية، والآن يراها العالم في قفص الاتهام أمام أعلى الهيئات القانونية الدولية.
والأنكى من ذلك، أن الحليف الإستراتيجي، الذي كان يرى في هذا الكيان “حارسًا لمصالح الغرب”، وجد نفسه مضطرًا للتحول من دور الداعم إلى دور المحامي والمحارب لحماية حليفه من الانهيار. في هذا المقال، سنحلل بعمق التحولات الأربعة الكبرى التي تهاوت، وكيف ستعيد هذه الانكسارات رسم معالم المنطقة لعقود قادمة.
إن ما سأستعرضه معكم اليوم ليس مجرد رصد لأزمات إخبارية، بل هو تشريح لما نسميه في العلوم السياسية “التآكل البنيوي”. نحن نتحدث عن تصدع في الركائز الأربع التي قام عليها وجود الكيان.
عندما تلتقي الهزيمة العسكرية في الميدان، بسقوط السردية والمظلومية الأخلاقية، بتراجع الدور الوظيفي أمام المشغل الغربي، وصولًا إلى فقدان الأمان الشخصي في أبسط صوره بالشوارع، فنحن هنا لا نتحدث عن أزمة حكومة، بل نتحدث عن بداية النهاية لمرحلة التفوق المطلق التي ظن البعض أنها لن تنتهي.
التحول الأول: فقدان التفوق العسكري رغم التدمير:
لطالما اعتمدت العقيدة القتالية “الإسرائيلية” منذ عهد ديفيد بن غوريون على مفاهيم مقدسة: “الحسم السريع”، “الردع المسبق”، و”نقل المعركة إلى أرض العدو”. لكن في غزّة ولبنان، سقطت هذه المفاهيم تحت ركام البيوت. ورغم اتباع إستراتيجية “الأرض المحروقة” وحجم التدمير الذي طال كلّ شبر، إلا أن الجيش لم يستطع حتّى اللحظة تحقيق هدف عسكري إستراتيجي واحد قابل للصرف سياسيًا.
التفوق التكنولوجي اصطدم بحائط مسدود، وبات واضحًا أن كثافة النيران لا تعنى بالضرورة السيطرة على الأرض.
أولًا: سقوط ثلاثية العقيدة: تأسست العقيدة القتالية على: الإنذار المبكر، الردع، والحسم السريع. في المواجهة الحالية، سقطت هذه الثلاثية جملة وتفصيلًا. فنحن أمام أطول حرب في تاريخ هذا الكيان، ما يعني فشلًا ذريعًا في مفهوم “الحسم”. أما “الردع” فقد تآكل تمامًا ولم يعد يخيف فصائل تمتلك إرادة المواجهة، بينما غاب “الإنذار” في صدمة العبور الأول التي لن يمحوها الزمن.
ثانيًا: التدمير ليس سيطرة: استخدمت “إسرائيل” إستراتيجية “الأرض المحروقة” (Scorched Earth)، وهي في العلم العسكري تعكس العجز لا القوّة. عندما ينتقل الجيش من “الاستهداف الجراحي” إلى “التدمير الشامل العشوائي”، فهو يعترف ضمنيًا بأنه يجهل مكان خصمه.
عسكريًا، القوّة ليست في القدرة على الهدم، بل في القدرة على إجبار الخصم على الاستسلام، وهو ما لم يحدث.
ثالثًا: صدمة التكنولوجيا أمام الوسائل غير النمطية: اصطدم الذكاء الاصطناعي والمنظومات السيبرانية المتطورة بجدار “الإرادة والميدان الصامت”. لقد أثبتت المعركة أن التفوق التقني لا يمكنه هزيمة مقاتل يعتمد على “عقيدة الصمود” وتكتيكات بدائية لكنّها ذكية، تعتمد على التخفي والاتّصال المباشر بعيدًا عن أعين الرادارات.
التحول الثاني: تآكل السردية والمظلومية:
لسنوات طويلة، كانت “المظلومية التاريخية” هي الدرع الأخلاقي والحصانة ضدّ أي انتقاد دولي. لكن اليوم، أحدثت المشاهد الحية القادمة من غزّة زلزالًا في الوعي العالمي. هذا التعاطف الذي كان يُستمد من أحداث الحرب العالمية الثانية وما فعله هتلر، بدأ يتلاشى أمام واقع الحاضر. العالم اليوم لم يعد يرى في “إسرائيل” “الضحية الناجية”، بل أصبح يراها من زاوية حقوقية وقانونية دولية كقوة قائمة بالاحتلال تمارس أبشع أنواع الارتكابات.
أولًا: سقوط “سلاح المظلومية”: لطالما كانت أحداث “المحرقة” هي الذريعة والمبرر لكل تجاوز، حيث استُخدمت كـ “هراوة” لإسكات أي صوت دولي. اليوم، وبسبب البث المباشر للمآسي في قطاع غزّة، سقط هذا الدرع. العالم لم يعد يرى “الناجي”، بل أصبح يرى المسؤول عن “أفعال توصف بالهولوكوست الجديد” في حق المدنيين. هذا التحول في الوعي الجمعي هو خسارة إستراتيجية لا تقل مرارة عن خسارة الحرب عسكرياً.
ثانيًا: فخ الضحية والجلاد: وقعت “إسرائيل” في فخ “التمثيل التاريخي العكسي”. عندما تحاصر شعبًا كاملًا، وتمنع عنه الماء والغذاء، فهي تسقط طوعًا من مرتبة “الضحية” التي سوّقتَ لها لعقود، لتجلس في مقعد “الجلاد”. وهو أمر كان يعتبر من المحرمات السياسية في الغرب، لكنّه الآن أصبح حديث الشارع.

ثالثًا: خسارة الجيل القادم (Generation Z): “الأخطر ليس تراجع تعاطف الساسة العجائز في واشنطن، بل تآكل السردية لدى الشباب في الغرب. هؤلاء لا تربطهم عاطفة بوقائع تاريخية قديمة، بل تربطهم شاشات هواتفهم وما تظهره من مجازر يومية. لقد فقد الكيان “القوّة الناعمة” التي كانت تضمن له دعمًا شعبيًا عابرًا للأحزاب.
رابعًا: المقارنة القاتلة: لأول مرة، يجرؤ الشارع العالمي على عقد مقارنات بين ممارسات هذا الجيش وبين الأنظمة الشمولية القمعية. هذه المقارنة تعنى أن “قدسية المظلومية” قد انتهت إلى غير رجعة. “إسرائيل” التي عاشت خلف قضبان مظلوميتها، حطمت هذه القضبان بيديها، واستبدل التعاطف العالمي بكراهية لا يمكن ترميمها بسهولة.
التحول الثالث: تراجع الدور الوظيفي (من الحامي إلى المحمي): هنا نصل إلى التحول الجيوسياسي الأخطر.
أولًا: انكسار الردع بالوكالة: كان الغرب يعتمد على “إسرائيل” لتأديب أي قوة إقليمية دون تدخل مباشر. اليوم، عجزت “إسرائيل” عن حسم المعركة، ما كسر هذه الوظيفة.
ثانيًا: التحول من “أصل” إلى “عبء”: الدور الوظيفي كان مبنيًّا على أنها “ذخر إستراتيجي” (Strategic Asset).
اليوم، ومع استنزاف المخازن الأميركية واضطرار واشنطن لتحريك حاملات الطائرات لحمايتها، بدأ السؤال في الغرف المغلقة: هل لا تزال “إسرائيل” تحمينا، أم أننا نحن من يستنزف موارده لحمايتها؟ هذا التحول يضرب صلب الجدوى من وجود الكيان.
ثالثًا: عجز “الشرطي” عن تأمين الملاحة: أهم أدوار “إسرائيل” كان ضمان استقرار المنطقة لتدفق التجارة. اليوم، هي عاجزة عن تأمين نفسها، وعاجزة عن التأثير في معادلة “البحر الأحمر”. عندما تتدخل القوى العظمى مباشرة لحماية طرق التجارة لأن “شرطي المنطقة” أصبح هو السبب في اشتعالها، فهذا يعني انتهاء صلاحية دوره القديم.
رابعًا: سؤال الجدوى: “أخطر ما يواجه “إسرائيل” هو اكتشاف الغرب أن “قاعدته المتقدمة” قد تحولت إلى “ثقب أسود” يبتلع الدعم العسكري والسياسي دون مقابل إستراتيجي. نحن ندخل مرحلة إعادة صياغة الدور بشكل يقلص من قيمتها الجيوسياسية.
التحول الرابع: الأمان المفقود وتعدد الجبهات: الأمن لم يعد مفقودًا على الحدود فحسب، بل في قلب الشوارع. تداخلت التهديدات من سقوط المسيرات التي تجاوزت الدفاعات، وصولًا إلى العمليات الفردية غير النمطية كأعمال الدهس والطعن وغيرها. هذا التردي خلق حالة من “اللا استقرار” الوجودي لدى المستوطن، حيث لم تعد القوّة العسكرية قادرة على تأمين الفرد في حياته اليومية.
أولًا: تلازم التهديد (الصاروخ والنمط الفردي): يعيش المجتمع “الإسرائيلي” حالة من “تشتت الذعر”. التهديد التكنولوجي من جهة، والتهديد الذي لا يمكن التنبؤ به من جهة أخرى. هذا المزيج يجعل “مفهوم الأمان” مستحيلًا، فلا الملاجئ تحمي من إرادة فرد قرر المواجهة في الشارع، ولا الرادارات ترصد تحركاته.
ثانيًا: سقوط نظرية “الملاذ الآمن”: الأساس الذي قامت عليه فكرة استجلاب المستوطنين هو توفير “المكان الأكثر أمانًا”. اليوم، سقط هذا المفهوم تمامًا. العقد الاجتماعي بين السلطة والمستوطن يتمزق، فالأمن ليس مجرد غياب الحرب، بل هو “الشعور بالاستقرار”، وهو ما تفتقده “إسرائيل” اليوم جملة وتفصيلًا.
ثالثًا: العجز الاستخباراتي والهجرة العكسية: العمليات الفردية هي كابوس لأي جهاز أمني لأنها بلا هيكلية تنظيمية. هذا النمط حطم أسطورة المنظومة التي تدعي إحصاء الأنفاس. الفشل يبدأ من الجندي في الميدان وينتهي بالشرطي في الشارع. وفي العلم العسكري، الهزيمة النفسية تسبق الهزيمة المادية، وهذا ما يسرع وتيرة “الرحيل العكسي” بحثًا عن بقعة أكثر استقرارًا.
الخاتمة:
“إسرائيل” اليوم تواجه الحقيقة المرة: القوّة العارية لا تصنع أمنًا، والتكنولوجيا لا تهزم الإرادة، ومن كان يحمي مصالح الآخرين، بات اليوم يستجدي من يحميه. هي معادلة جديدة، ترسمها دماء المجاهدين في الميدان، وتؤكد أن فجر المنطقة يُكتب بمداد مختلف تمامًا عما كان عليه قبل 7 أكتوبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى