اراء

أميركا في مواجهة العالم

بقلم: بثينة عليق..
عامٌ واحد من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان كفيلاً بوضع الولايات المتحدة في مواجهة العالم بأسره، سواء مع حلفائها التاريخيين في واشنطن أم مع خصومها. فأداء ترامب، النابع من عقليته الأنانية والمرتكز على فائض القوة الأميركية، أدخل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية في حالة من الاضطراب الشامل والقلق العميق.
فمنذ الأيام الأولى لولايته، بدأ ترامب بالدعوة إلى ضمّ غرينلاند وكندا، في إشارة واضحة إلى نهاية القاعدة التي سادت منذ إنشاء الأمم المتحدة، والتي اعتبرت أن الحدود في الغرب لا يمكن إعادة ترسيمها بالقوة.
في مجلة “فورين أفيرز”، تناول الكاتبان أونا هاثاواي وسكوت شابيرو هذا السلوك، وخلصا إلى النتيجة التالية:
“ينشئ ترامب عالماً لن تكون فيه القواعد غير متوقعة فحسب، بل ستعتمد كلياً على دوافع من يصادف أن يمتلك القوة الأكثر إكراهاً في لحظة معينة.”
وفي السياق ذاته، ورد في مقال بعنوان: “سنة الفوضى في عهد ترامب: الرئاسة غير المقيدة ونهاية الهيمنة الأميركية”، في المجلة نفسها، ما يلي:
“من خلال الاستيلاء على أدوات الهيمنة، يتصرف ترامب بعدوانية في مناطق متعددة في الوقت نفسه، وبسرعة لم تكن أي قوة عظمى سابقة قادرة على تصورها. ففي غضون أسبوع واحد فقط من شهر كانون الثاني الماضي، نفذت إدارة ترامب مهمة عسكرية في كراكاس للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأصدرت تهديدات لحلفائها في الناتو بالاستيلاء على غرينلاند، وزادت من نشر عناصر الهجرة والجمارك في مينيابوليس، على الرغم من الاحتجاجات واسعة النطاق.”
يُظهر هذا النص كيف أثار ترامب أزمات مع ثلاثة أطراف خلال أسبوع واحد. فهو يختطف بالقوة رئيس دولة ذات سيادة يتمتع بشرعية دولية، ويثير حالة واسعة من القلق والاضطراب في بلدان أميركا اللاتينية كافة، وفي الوقت نفسه يسعى إلى الاستيلاء على إقليم تابع لدولة حليفة ضمن حلف الناتو، غير آبه بمقتضيات القانون الدولي.
ولا يقتصر هذا السلوك العدواني على الخارج، بل يمتد إلى الداخل الأميركي، حيث تُتهم سلطات الهجرة باستخدام العنف المفرط، في إطار حملة مشددة على المهاجرين. وخلال أسبوع واحد، أسس سلوك ترامب الفوضوي والعدواني لتعزيز مشاعر الكراهية والحنق تجاه الإدارة الأميركية لدى شعوب أميركا اللاتينية، التي تحتفظ بذاكرة مثقلة بالتجارب السلبية المرتبطة بالتدخلات الأميركية في بلدانها، وما نتج عنها من أنظمة استبدادية وهيمنة على مقدراتها وتعطيل لمسارات التنمية.
وفي الأسبوع ذاته، انقلب ترامب على حلفائه في الناتو، مثيراً قلقاً عميقاً داخل المجتمعات الأوروبية. فقد وجد الأوروبيون أن حليفهم الذي كان يُفترض أن يكون مصدر طمأنينة وأمن، بات يشكل تهديداً حقيقياً وجاداً لهم.
لم يكتفِ ترامب باستعراض عدوانيته في الخارج، بل وجّه بوصلته نحو الداخل الأميركي، الذي بات يخشى بصورة حقيقية على مستقبل الحريات والديمقراطية المعتمدة هناك. وقد تجلّى هذا القلق في التظاهرات التي شهدتها مدن أميركية عدة احتجاجاً على سياساته، حيث رفع متظاهرون شعارات تصفه بـ”الملك”، في إشارة إلى مخاوف من نزعة سلطوية متنامية.
قد يرى البعض أن ما يحدث أمر طبيعي لدولة تملك هذا القدر من القوة، وأنه رغم مشاعر الرفض لهذا السلوك، فإن أميركا القوية ستفرض في نهاية المطاف هيمنتها، وستتمكن من تكييف الجميع مع الواقع الجديد. غير أن هذا التحليل يتناقض مع السياق التاريخي لمصير دول وقوى لم تُدرك حدود قوتها، فبالغت في الاعتماد على ما تمتلكه من إمكانات، وحاولت، مدفوعة بشعور “فائض القوة”، فرض إرادتها على الآخرين، فكانت بذلك ترسم بيدها مسار نهايتها.
فمهما امتلكت الدول من قدرات، تبقى للقوة حدود تفرض على صاحبها التحلّي بالحكمة في استخدامها. وهو ما لا تبدو له مؤشرات واضحة في حالة ترامب، الذي يلجأ إلى توظيف القوة المفرطة من دون رؤية متزنة أو حسابات استراتيجية بعيدة المدى. ويعود ذلك، على ما يبدو، إلى عقليته التجارية القائمة أساساً على الحسابات الرقمية والمكاسب المباشرة، بعيداً عن المضامين المعنوية والقيم الرمزية التي تشكّل في العادة دوافع أعمق وأكثر تأثيراً من العناصر المادية البحتة.

هذا الغياب للحكمة دفع كاتب مقال “سنة الفوضى في عهد ترامب” إلى توصيف واقع السياسة الأميركية بالنص الآتي: “يمكن القول إن الولايات المتحدة وصلت إلى ما سمّاه المؤرخ بول كينيدي التوسع الإمبراطوري المفرط قبل ترامب بوقت طويل. فقد أدت الغزوات المكلفة والفشل في أفغانستان والعراق إلى إنهاك القوة العسكرية الأميركية إلى حدٍّ كاد يبلغ الانهيار. وفي الوقت نفسه، تتحدى الصين الصاعدة الولايات المتحدة على الصدارة العالمية. ومن هذا المنظور، يتمثل أفضل رهان لواشنطن في الحفاظ على مواردها وشبكة حلفائها وشركائها، والاستعداد لاحتمال الصدام مع منافستها. لكن في غضون عام واحد، قضى ترامب على معظم هذه المزايا؛ دمرها أو تنازل عنها، على الرغم من قيمتها في منافسة القوى العظمى، وبدلاً من ذلك تبنّى نهجاً قائماً على الاستغلال والفساد وترتيبات تجارية قابلة للتعديل وفق رغبته.”
وفق هذا التحليل، يبدو أن ترامب، رغم إدراكه لفكرة “التوسع الإمبراطوري المفرط”، التي انعكست في شعارات حملته الانتخابية مثل “أميركا أولاً” و”لنجعل أميركا عظيمة مجدداً”، قد أخطأ استراتيجياً في الأسلوب والأداء والمنهج التنفيذي. فبدلاً من استثمار قدرات الولايات المتحدة في تعزيز الاستقرار الدولي، والدفع نحو صيغة جديدة من القيادة الأميركية تقوم على الرعاية والضمان لعالم أكثر عقلانية وتوازناً، جاء أداؤه نقيضاً لذلك. فقد جعل العالم أكثر عدوانية، بما يتطابق مع توصيف الفيلسوف توماس هوبز لحالة الفوضى بقوله الشهير: “حرب الجميع ضد الجميع”، حيث تكون الحياة “بغيضة ووحشية وقصيرة”.
وبناءً على هذا التوصيف، ومع ما أُثير أخيراً من جدل حول فضائح إبستين التي طالت شخصيات سياسية وازنة، أصبحت صورة الولايات المتحدة أكثر قتامة على المستوى العالمي. وباتت تُقدَّم في الخطاب النقدي بوصفها رمزاً للعدوانية والفساد، ونقض التفاهمات، وعدم احترام القانون الدولي، وعدم الاكتراث بسيادة الدول.
ولم تعد هذه الصورة حكراً على خصوم الولايات المتحدة وأعدائها، بل اتسعت لتشمل شرائح واسعة من الرأي العام العالمي، بل وحتى داخل المجتمع الأميركي نفسه. فثمة إدراك متنامٍ بأن ادعاءات السلام الأميركية تفتقر إلى المصداقية، وأن ما يُسمى مجلس السلام الذي يرأسه ترامب لا يعدو كونه إطاراً يعكس رؤية “إمبراطور” يسعى إلى إدارة العالم وفق قواعده الخاصة. ويعزز هذا الانطباع انسحاب الولايات المتحدة من عدد من المؤسسات الدولية تباعاً، وكان من بينها منظمة الصحة العالمية، وهو ما ينذر بتداعيات خطيرة على جهود مواجهة الأوبئة عالمياً، ولا سيما في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، وفق ما حذرت منه المنظمة في تقاريرها الأخيرة.
هكذا يقود ترامب العالم نحو فوضى شاملة على المستوى الأمني، عبر عدوانيته المفرطة في مختلف الاتجاهات. وعلى المستوى الاقتصادي، من خلال سياساته التجارية والجمركية؛ وعلى المستوى البيئي، نتيجة عدم احترامه القواعد والضوابط البيئية المعمول بها؛ وعلى المستوى الصحي، عبر تجفيف منابع تمويل منظمة الصحة العالمية.
أما أحدث مؤشرات هذه الفوضى وأخطرها، فهو انتهاء مفاعيل اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية مع روسيا، بما ينذر بعودة سباق محتدم نحو تطوير القدرات النووية، والدخول مجدداً في دائرة تهديد وجودي يطال الإنسانية جمعاء. ويزداد هذا الخطر في ظل حالة عدم الاستقرار الواسعة التي تُنتجها السياسات الترامبية، والسعي المتواصل نحو مزيد من العسكرة، وصولاً حتى إلى المناطق النائية في القطب الشمالي.
إن هذه الفوضى التي أفرزها أداء ترامب غير المتزن، واستغلاله لما ورثه من قدرات وإمكانات للولايات المتحدة، والتي أخضعها لميوله وأفكاره ذات النزعة النرجسية، تجعل من أميركا دولة في مواجهة العالم بأسره، بما في ذلك قطاعات واسعة من شعبها. وهو ما ينذر، عاجلاً أو آجلاً، بتنامي حالة رفض شاملة للسلوك الأميركي، وتبلور وعي عالمي متزايد بمخاطر هيمنة قوة واحدة على النظام الدولي، تقودها شخصية بهذا النهج.
ومن شأن ذلك أن يدفع حتماً نحو تعديلات جوهرية في شكل النظام العالمي خلال المرحلة المقبلة؛ نظامٍ يتطلع إلى مزيد من التوازن، والتفاعل، وتعدد الأقطاب، واحترام الخصوصيات الوطنية، وتكريس العدالة أساساً للعلاقات الدولية. وهذا العالم الذي تتطلع إليه شعوب كثيرة اليوم يقف على النقيض تماماً من صورة الولايات المتحدة في ظل إدارتها وسلوكها، قديماً وحديثاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى