اراء

بين الحقوق الإيرانية والتعنت “الأمريكي-الإسرائيلي”.. إلى أين تتجه الأزمة؟

بقلم: محمد الأيوبي..

ليست المفاوضات بين واشنطن وطهران مجرّد مسار دبلوماسي تقني يُقاس بنجاح جولة أو فشل أخرى، بل هي مرآة لصراع أعمق يدور حول تعريف السيادة، وحدود القوّة، ومعنى الردع، ومكانة القانون الدولي في عالم تحكمه موازين القوّة لا نصوص المعاهدات. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل تنجح مفاوضات مسقط أو تفشل؟ بل: أي نظام إقليمي يُراد تكريسه في “الشرق الأوسط”؟ ومن يملك حق تحديد قواعده؟.

من هذه الزاوية، يصبح احتمال فشل المفاوضات ليس طارئًا، بل خيارًا مطروحًا في حسابات بعض الأطراف، تمامًا كما أن شبح الحرب ليس نتيجة سوء تفاهم، بل أداة ضغط قائمة بذاتها، تُستخدم لتحسين شروط التفاوض أو لإفشاله بالكامل إذا لم يؤدِّ إلى النتائج المطلوبة.

أولًا: المفاوضات كمساحة صراع لا كمساحة حل

من الخطأ قراءة المفاوضات الأمريكية-الإيرانية بوصفها محاولة صادقة ومتوازنة لحل أزمة، فالتجربة الممتدة منذ الاتفاق النووي عام 2015، ثمّ الانسحاب الأمريكي الأحادي عام 2018، أثبتت أن واشنطن لا تتعامل مع التفاوض كالتزام قانوني طويل الأمد، بل كأداة ظرفية تُستخدم ما دامت تخدم أهدافها الإستراتيجية.

إيران، في المقابل، تدخل أي مسار تفاوضي وهي مدركة، أن الطرف الآخر لا يبحث عن “تسوية عادلة”، بل عن إعادة هندسة السلوك الإيراني، داخليًا وإقليميًا. لذلك تصرّ طهران على حصر التفاوض بالبرنامج النووي، وترفض إدخال برنامجها الصاروخي أو تحالفاتها الإقليمية، ليس تعنتًا بقدر ما هو دفاع عن جوهر السيادة.

ثانيًا: الحقوق الإيرانية بين القانون والسياسة

تستند السردية الإيرانية إلى أساس قانوني واضح، معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، التي تضمن للدول الموقعة حق تطوير الطاقة النووية لأغراض سلمية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم. هذا الحق، من منظور طهران، ليس منّة دولية، بل يعد التزاماً قانونياً لا يجوز مصادرته بالضغوط أو العقوبات.

لكن الإشكالية لا تكمن في النصوص، بل في السياسة. فالقانون الدولي، حين يصطدم بإرادة القوّة، غالبًا ما يتحول إلى أداة انتقائية. يُسمح لدول بامتلاك ترسانات نووية كاملة خارج أية رقابة، فيما تُطالب إيران بتصفير برنامجها، لا لشيء إلا لأنها دولة خارج منظومة الهيمنة الغربية.

ثالثًا: التعنت “الإسرائيلي”.. من الأمن إلى الهيمنة

في قلب الأزمة يقف الموقف “الإسرائيلي” بوصفه العامل الأكثر تشددًا، والأقل قابلية للتسوية. “إسرائيل” لا تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدًا تقنيًا يمكن احتواؤه، بل باعتباره تحديًا إستراتيجيًا لاحتكارها التفوق العسكري في المنطقة.

من هنا تأتي الشروط “الإسرائيلية” التعجيزية: تصفير التخصيب، تفكيك البرنامج الصاروخي، قطع العلاقات مع حلفاء الإقليم. هذه الشروط لا تهدف إلى منع سلاح نووي، بل إلى إعادة تشكيل إيران كدولة منزوعة التأثير، وهو أمر تدرك واشنطن استحالته، لكنّها تستخدمه كورقة ضغط تفاوضي.

رابعًا: الضمانات الأمريكية.. أزمة الثقة المزمنة

حتّى لو افترضنا وجود استعداد أمريكي للتوصل إلى اتفاق، تبقى معضلة الضمانات قائمة. إيران لا تطلب وعودًا شفوية، بل ضمانات مؤسسية تحول دون تكرار سيناريو الانسحاب الأحادي. لكن النظام السياسي الأمريكي، بطبيعته المتقلبة بين إدارات متناقضة، عاجز عن تقديم مثل هذه الضمانات.

من وجهة نظر طهران، ما قيمة اتفاق يمكن لرئيس أمريكي واحد أن يمزقه بقرار سياسي؟ وما جدوى التنازل الإستراتيجي إذا كان المقابل هشًا وقابلًا للانهيار مع أي تغيير في البيت الأبيض؟.

خامسًا: غياب الدور الدولي وتحلل المرجعيات

يزيد المشهد تعقيدًا ضعف الدور الدولي، لا سيما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. بعد الضربات العسكرية التي طالت إيران في 2025، بدا النظام الدولي عاجزًا عن فرض أية مساءلة حقيقية، ما عزز القناعة الإيرانية بأن “الشرعية الدولية” تعمل بانتقائية فاضحة.

في هذا السياق، تصبح الوساطات الإقليمية – من عُمان إلى قطر وتركيا – مجرد محاولات لاحتواء الانفجار، لا لمعالجة جذور الأزمة. فغياب مرجعية دولية ضامنة يجعل أي تفاوض هشًا، وأي تصعيد قابلًا للانفلات.

سادسًا: فشل المفاوضات.. خيار محسوب

في ضوء كلّ ما سبق، لا يبدو فشل المفاوضات احتمالًا بعيدًا. بل يمكن القول، إن بعض الأطراف، خصوصًا في “تل أبيب”، تراهن عليه. فتعجيز إيران تفاوضيًا، ثمّ تحميلها مسؤولية الفشل، يفتح الباب أمام تبرير التصعيد العسكري، ويعيد إنتاج سردية “الخطر الإيراني” كتهديد وجودي.

في النهاية.. هناك أزمة تعريف السيادة في جوهرها، الأزمة بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل” ليست أزمة أجهزة طرد مركزي أو نسب تخصيب، بل أزمة تعريف: ماذا تعني السيادة في نظام دولي غير متكافئ؟ هل هي حق قانوني متساوٍ، أم امتياز تمنحه القوّة لمن تشاء؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى