من تايوان إلى إيران.. أين تقف التحقيقات في الجيش الصيني؟

بقلم: العميد محمد الحسيني..
في خضم تصاعد التوترات الأميركية-الإيرانية، برزت التحقيقات الأخيرة في صفوف كبار جنرالات جيش التحرير الشعبي الصيني في توقيت يثير الريبة. هذا التوقيت يشير إلى أن ما يُعرض على الملأ باعتباره حملة ضد الفساد والانضباط قد يكون أكثر من ذلك: محاولة صينية لتأمين ولاء الجيش والتحكم في المعلومات الحساسة قبل أي تصعيد محتمل على الساحة الدولية. الصين، المعروفة بإدارتها الحذرة لعلاقاتها مع إيران، تبني تعاونها على الاقتصاد والاستراتيجية والتنسيق السياسي، مع حرص شديد على عدم الانخراط المباشر في أي مواجهة عسكرية، أو التفويض لطهران بتنفيذ ضربات تصب في مصالح بكين. ومع ذلك، تهديدات إيران الأخيرة بالرد على أي هجوم أميركي حتى على قواعد بعيدة في المحيط الهندي جعلت بكين تراقب عن كثب، خصوصًا مع الحديث عن جزيرة دييغو غارسيا كقاعدة استراتيجية أميركية حساسة.
تقع جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي على بعد 5,500-6,500 كم من الصين، وتستخدم كنقطة انطلاق للعمليات الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. أي تهديد إيراني لها، حتى لو كان رسالة ردع أكثر من كونه فعلًا مباشرًا، له تأثير مزدوج؛ يربك واشنطن ويشتت قواتها في حال مواجهة مستقبلية، ويجعل الصين المستفيد الصامت إذ يمكنها النظر إلى التهديد كوسيلة لتخفيف الضغط على مصالحها في آسيا، بما في ذلك ملف تايوان، من دون تحمل أي مسؤولية مباشرة. هنا يظهر الاحتمال الاستراتيجي: قد يكون هناك توافق ضمني أو تقاطع مصالح غير معلن بين إيران وبكين، ليس اتفاقًا رسميًا، لكنه يكفي لجعل أي تهديد إيراني لدييغو غارسيا يصب في حسابات بكين، ويؤجل أو يشتت أي رد أميركي قد يؤثر على السيناريو الآسيوي، خصوصًا فيما يتعلق بتايوان.
يبقى ملف تايوان هو الظل الدائم خلف كل هذه التحركات. الصين تعتبر أي تسريب داخل الجيش تهديدًا مباشرًا لاستراتيجيتها حول الجزيرة. تحركات جنرالات غير منضبطين أو تقديرات عسكرية تُسرب للخارج قد تكشف خططها أو توقيتها، وهو ما يفسر صرامة التحقيقات الحالية.
في الوقت ذاته، ظهر بعد المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل ما يُعدّ تطورًا في العلاقات العسكرية الصينية-الإيرانية. حيث تشير تقارير استخباراتية إلى أن إيران تسعى إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية بعد الحرب، وقد دخلت في مفاوضات مع شركاء صينيين للحصول على صواريخ وأنظمة دفاع جوي ومعدات أخرى مقابل النفط الذي تصدره للصين، التي تعد من أكبر مستوردي الخام الإيراني.
كذلك هناك تقارير ذكرت أن بطاريات صواريخ دفاع جوي صينية وصلت إلى إيران بعد وقف إطلاق النار لتعويض ما دمرته إسرائيل من منظوماتها الدفاعية خلال الحرب، في إطار صفقات تبادل النفط مقابل المعدات العسكرية، رغم أن بكين نفت رسميًا تزويد طهران بأنظمة متقدمة أثناء الحرب نفسها.
من جانبها، تبحث إيران أيضًا عن شراء طائرات مقاتلة صينية متطورة مثل مقاتلات “جي-10” لتعزيز قدراتها الجوية بعد ضعف دفاعاتها في المواجهة مع إسرائيل، ما يعكس تحوّلًا بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على السلاح الروسي.
هذه التطورات تأتي في سياق تبادل النفط الإيراني مع المعدات أو الدعم العسكري، وهو ما يُظهر أن علاقة بكين بطهران لا تقتصر على التعاون الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى أبعاد أكثر حساسية في المجال العسكري، مع ذلك تظل بكين حريصة على إبقاء تعاونها ضمن حدود سياسية واقتصادية لتجنب التدخل المباشر في صراعات عسكرية مفتوحة مع قوى كبرى.
أما اليابان، فتلعب دورًا حيويًا؛ قواعدها القريبة من المحيط، أسطولها المتقدم، وقدراتها المضادة للصواريخ، وتحالفها العضوي مع واشنطن يجعلها اللاعب الإقليمي الحاسم الذي قد يعكس أي تصعيد إيراني بعيد المدى، بما في ذلك تهديدات محتملة لدييغو غارسيا، على توازن القوة الإقليمي.
كل هذا، ولا يمكن تجاهل احتمالية الدور الروسي غير المباشر في كشف أي اختراقات أو شبكات غير منضبطة داخل الجيش الصيني. موسكو، بخبرتها الاستخباراتية الطويلة، قد تشارك معلومات تحذيرية حول ضباط مكشوفين أو قنوات غير منضبطة، لا بدافع الثقة المطلقة مع بكين، بل لحماية توازنات استراتيجية أوسع، والحفاظ على محور مصالح مشترك جزئيًا، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر الأميركي-الإيراني.
في هذا الإطار، من المحال فصل تشدد بكين الداخلي عن المشهد الأوسع للتحركات الأميركية في المنطقة. فالولايات المتحدة، من خلال تعزيز حضورها الجوي والبحري ورفع مستوى الجاهزية في قواعدها الممتدة من الخليج إلى المحيط الهندي، لا تُطلق حربًا بقدر ما تُبقي خيارها مفتوحًا.
على مسرح العمليات، وصلت حاملة الطائرات الأميركية USS Abraham Lincolnومجموعتها الضاربة إلى المنطقة في 26 يناير 2026، مصحوبة بثلاثة مدمرات مسلحة بصواريخ كروز ونظام دفاع جوي متكامل، بينما أُعلن عن مناورات جوية متعددة الأيام لتعزيز الجاهزية العملياتية. هذا الوضع الرمادي، حيث لا حرب ولا تهدئة نهائية، يفرض على الصين أعلى درجات الانضباط المعلوماتي داخل جيشها، لأن أي سوء تقدير أو تسريب حول حدود التصعيد الأميركي أو الإيراني قد يتحول إلى عامل خلل استراتيجي في حسابات تايوان والتوازن الآسيوي الأوسع. ففي اللحظة التي تُلوّح فيها واشنطن بالقوة من دون أن تستخدمها، تصبح إدارة التوقيت أخطر من إدارة المعركة نفسها.
في المحصّلة، ليست التحقيقات داخل الجيش الصيني تفصيلًا إداريًا ولا حملة انضباط عابرة، بل خطوة تحصين قبل لحظة كبرى لم يُعلن موعدها بعد. تايوان هي الهدف المركزي، وإيران عامل تشتيت أو أداة ضغط غير مباشرة، واليابان هي المفتاح العملياتي الذي لا يمكن تجاوزه. ما يجري اليوم هو إدارة صراع قبل اندلاعه، وضبط للمعلومات قبل أن تتحول إلى نقاط ضعف. في هذا السياق، لا تبدو إيران في حساب واشنطن هدفًا بحد ذاته بقدر ما هي مسرح لإدارة أزمة، لا ساحة حسم نهائي؛ فالغاية الأميركية ليست فتح حرب شاملة قد تخدم الصين أكثر مما تخدم الولايات المتحدة، بل منع طهران من تغيير قواعد الاشتباك وفرض معادلات جديدة. أي تهديد إيراني بعيد المدى، حتى لو بقي في إطار الرسائل، يخدم الحسابات الصينية عبر إنهاك واشنطن وتشتيت تركيزها، من دون أن تتحمل بكين كلفة المواجهة. الأخطر ليس اندلاع الحرب، بل أن تُحسم موازينها مسبقًا فيما الجميع ينتظرها.



