الحرية في الفكر والسلوك الإسلامي

صباح الصافي..
الحرية في الإسلام هي قيمة أصيلة تقوم على وعي الإنسان وإدراكه لمسؤوليته أمام الله (تعالى) وأمام الآخرين، فهي توازن بين حقِّ الفرد وحقِّ المجتمع، وتحرِّر الإنسان من الظُّلم والقهر، من دون أن تتحوَّل إلى انفلات أو فوضى.
وقد جاءت الرِّسالات الإلهيَّة لتضع الإنسان في فضاء اختيار واعٍ، وتبيِّن له حدود حريته، من خلال حفظ كرامته ورعاية حقوق الآخرين، بما يجعل الحرية مرتبطة دائمًا بالمسؤوليَّة والأخلاق. وفي هذا الإطار، يظهر الإسلام بوصفه دينًا يضمن للإنسان حرية الفكر، وحرية القول، وحرية التَّصرف ضمن ضوابط تحفظ النِّظام الأمثل والأكمل، وتفتح أمامه آفاق التَّقدُّم والسَّعادة الحقيقيَّة.
جعل الله (تعالى) الحرية مبدأً أصيلًا وغايةً سامية من غايات الرِّسالات الإلهيَّة، التي بعث بها أنبياءه ورسله (عليهم السلام) لكرامة الإنسان وسعادته، وتقوم هذه الرِّسالات على تحرير الإنسان من كلِّ أشكال القهر والاستعباد، وربطه بالله (سبحانه) وحده. ومن هذا المنطلق جاء الخطاب القرآني مؤكِّدًا وحدة البشر وأخوَّتهم، وداعيًا إلى إصلاح العلاقات بينهم على أساس التَّقوى والرَّحمة، كما في قوله (عزَّ وجلَّ): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وفي إطار هذا التَّصور، فتح الإسلام أمام الإنسان، آفاقًا واسعة للحركة والاختيار، فلم يضيِّق عليه إلَّا في حدود الواجبات التي تحفظ النَّظام، والمحرَّمات التي تصون كرامته وكرامة غيره. وما عدا ذلك، فإنَّ مساحة الحياة متروكة لإرادة الإنسان وسعيه، دون أن يحقَّ لفرد أو جهة أن تصادر حريته أو تفرض عليه قيودًا لم يأذن بها الله (تبارك وتعالى)، سواء في شؤونه الاقتصاديَّة، أو الاجتماعيَّة، أو الفكريَّة، أو في نمط معيشته واختياراته المشروعة.
وإذا ما نُظر إلى مفهوم الحرية في الإسلام نظرةً شموليَّةً، تبيَّن أنَّه نموذج متفرِّد لا نظير له، يوازن بدقَّة بين حرية الفرد وحقوق المجتمع، ويكفل للإنسان -مسلمًا كان أو غير مسلمٍ- حرية كاملة ما دامت لا تتحوَّل إلى اعتداء على الآخرين.
لقد كفلَ الإسلام للإنسان حرية الفكر، وحرية القول، وحرية العمل، بوصفها مقوِّمات محوريَّة لكرامته الإنسانيَّة، غير أنَّه أحاط هذه الحريات بإطار يضمن عدم انحرافها إلى الإضرار بالنَّفس أو بالآخرين. فالحرية في الرُّؤية الإسلاميَّة التزامٌ واعٍ محكومٌ بالضَّوابط، يحفظ الانسجام بين حقِّ الفرد وحقِّ الجماعة.
ولذلك، فإنَّ كلَّ تصرف يفضي إلى ضرر بالغ بالنَّفس لا يكون مشروعًا، حتَّى في الأمور التي هي في أصلها مباحة؛ فالأكل أو الشُّرب إذا بلغا حدَّ الإضرار الجسيم بالصِّحة خرجا عن دائرة الجواز؛ لأنَّ الإنسان مؤتمن على نفسه، وليس حرًّا في إهلاكها. وكذلك حرية القول، فهي مقيَّدة بعدم الاعتداء اللفظي، فلا يُباح السُّباب ولا الإيذاء ولا الضَّرب؛ لأنَّ ذلك اعتداء صريح على كرامة الآخرين وحقوقهم.
ويمتد هذا المبدأ ليشمل التَّعامل مع نعم الحياة ومواردها؛ إذ لا يجيز الإسلام الاستهلاك المفرط أو الاستفادة غير المنضبطة من خيراتها، لما في ذلك من إضرار بحقوق الأجيال القادمة، ومصادرة لحقِّها في العيش الكريم. فالحرية هنا تتحوَّل إلى أمانة تأريخيَّة، لا إلى متعة آنية.
وقد لخَّص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هذا الميزان الدَّقيق الذي يحكم الفكر والقول والعمل بقاعدة جامعة مانعة، حين قال: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضرَارَ فِي الإسْلَامِ) وهي قاعدة تؤسِّس لفهم عميق للحرية، باعتبارها حقًا لا ينفصل عن العدل، ولا يقوم إلَّا على حفظ الإنسان لنفسه ولغيره، حاضرًا ومستقبلًا.
فالإسلام، في جوهره العميق، دينُ الحرية الواعية، لا الحرية المنفلتة؛ حرية تُنقذ الإنسان من الإكراه، وتفتح له أفق الاختيار المسؤول. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذا المبدأ بوضوح حين قال الله (سبحانه): (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) فجعل وظيفة الرِّسالة الإلهيَّة التَّذكير لا القسر، والهداية لا الإكراه.
يضاف إلى ذلك، أنَّه دين الاختيار والاحترام؛ إذ يقرِّر قاعدة كبرى في التَّعامل مع الإيمان والعقيدة بقوله (تعالى): (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فالإيمان في الإسلام يولد من القناعة، ويترسَّخ بالبصيرة. ومن ثمَّ فإنَّ من يكفر بالطَّاغوت ويؤمن بالله (جلَّ جلاله) إنَّما يفعل ذلك عن وعي واختيار، فيستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، في ظلِّ علم الله (تعالى) الشَّامل بكلِّ النَّوايا والمقاصد.
ومن تجليات هذه الحرية في المنظومة الإسلاميَّة، حرية اختيار مرجع التَّقليد، ما دام هذا الاختيار منضبطًا بالميزان الشَّرعي، قائمًا على خطِّ القرآن الكريم والعترة الطَّاهرة (عليهم السلام)، ومتوفِّرًا فيه شرط الأهليَّة العلميَّة والتَّربويَّة. فالإنسان المكلَّف هو مدعوّ إلى اختيار من تتجسَّد فيه صفات المرجعية الحقَّة، وليس أسير اسمٍ أو شهرة، فالرِّواية الشَّريفة الواردة عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) رسمت معالم الفقيه الجدير بالتَّقليد: “فأمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الفُقهاء صائِنًا لِنَفْسِهِ، حافِظًا لِدِينِهِ، مُخالِفًا عَلَى هَواهُ، مُطيعًا لِأمرِ مُولاهُ، فَلِلْعوامِ أَنْ يُقَلِّدُوهُ، وَذلِكَ لا يَكُونُ إِلَّا بَعْضُ فُقهاءِ الشيعةِ لا كُلُّهُم”.
وهكذا تتجلَّى الحرية في الإسلام بوصفها حقًا مقرونًا بالوعي، واختيارًا محاطًا بالمسؤوليَّة، لا يُترك فيه الإنسان فريسة للهوى أو التَّضليل، ولا يُساق فيه قسرًا، ويُهتدى فيه إلى الحقِّ عبر العقل، والنَّص، والقدوة الصَّالحة، إنَّها حرية تحمي الدِّين، وتحفظ الإنسان، وتمنحه كرامة القرار في أخطر شؤون حياته: الإيمان، والفكر، والاتباع.



