اراء

طغيان النمرود وصحوة أوروبا وسبات العرب

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي ..

في قلب ما أُطلق عليه زوراً (منتدى السلام)، تجلت أبشع صور الطغيان، حيث تقمّص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دور النمرود الذي لا يرى في خارطة العالم إلا ضيعة خاصة تابعة لإمبراطوريته. لقد أقبل ترامب بصلف لا يعرف الحدود يمتطي صهوة غروره، متوهماً أن العالم بأسره أمسى شبيها بأنظمة الأعراب الجبناء قد استسلموا لقدر التبعية المطلقة والذل والعبودية والخنوع. لم يكن خطابه مجرد كلمات بل كان سماً زؤاماً نُثر في أروقة الدبلوماسية الدولية حيث تعامل مع الدول الكبرى والصغرى بعقلية التاجر الذي يحسب السيادة بضاعة والكرامة أرقاماً في دفاتر الحسابات. لقد وقف حاكم الكوكب المزعوم ينثر الإهانات يمينا وشمالا متجاوزا كل الخطوط الحُمر في العرف الدولي ليرمي في وجوه قادة أوروبا بذور المذلة والهوان. أراد أن يرى القارة العجوز التي تباهت كثيرا بإنها صدّرت للعالم مفاهيم الحرية والديمقراطية تحت نعل طموحاته الشخصية، محاولاً تحويل سيادة الدول قاطبة كبيرها وصغيرها إلى هباء تذروه رياح العنجهية الأمريكية، متوقعا من الجميع طاعة عمياء واخباتا ذليلا لأوامره الجائرة، إسوة بأصحاب الجلالة والسيادة والسمو في بلاد العرب أوطاني… لكن حسابات الغرور غالبا ما تخطئ في قراءة معدن الشعوب، فبينما ظن الواهم في واشنطن، أن الضمائر الأوروبية قد دُفنت تحت ركام المصالح المادية وغرقت بمستنقع أوكرانيا، وأن البصائر قد غابت خلف بريق القوة الأمريكية، فاجأه الواقع بـصحوة بعض القيادات بدءا من الرئيس الفرنسي ماكرون الذي قذف بقفاز التحدي في وجه الهيمنة، رافضا أن يظل القرار الفرنسي والأوروبي مجرد صدى باهت لما يقرره البيت الأبيض في احتلال جزيرة غرينلاند. هذه الصرخة الفرنسية التي اعقبت الموقف الدنماركي الرافض بقوة لم تكن مجرد موقف عابر بل كانت شرارة أيقظت هرمون الكرامة الراكن في قعر السبات في جسد القارة بأكمله فلحقه موقف الرئيس الكندي بوقفة مهيبة في سويسرا مذّكراً بالكرامة التي تريد أمريكا سلبها منهم ثم جاء الرد البلجيكي بلهجة حادة من رئيس وزراء بلجيكا لم تعهدها الدبلوماسية الناعمة من قبل وصل الى حد المصارحة والمكاشفة بإنهم اليوم بين خيارين، إما ان يعيشوا بكرامة بمقاومة الدكتاتور أو يعيشوا أذلاء بالرضوخ له.  لقد حطم هؤلاء القادة جدار الصمت الرهيب الذي شيدته سنوات الوصاية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إنها لحظة استرداد الوعي حيث انتفضت أوروبا لتنفض غبار عقود من الإذلال والتبعية التي فُرضت عليها منذ عشرات السنين، معلنة أن شمس الغرور الأمريكي بدأت في المغيب، وأن عهد الوصاية قد ولى إلى غير رجعة، على النقيض تماماً من هذه الانتفاضة الاوروبية التي فوجئنا بها من دول الغرب، تبرز أمام العين صورة هي الأكثر قبحاً ومأساوية  وخزيا وعاراً في التأريخ الحديث، صورة أنظمة الأعراب الذين استطابوا حياة الذل والغرق في غياهب التبعية. يا ويح العروبة حين تباد شعوبها وتُنتهك مقدساتها وأعراضها، بينما يقف حكامها الجبناء صامتين صمت القبور.

لقد صار الأعراب للأمريكان عبيداًً طوع البنان وسقطوا من موازين العزة والكرامة الدولية سقطة مدوية تراهم في المحافل الدولية رُكعاً وسُجداً أمام عتبات البيت الأبيض يتسابقون لإبداء الولاء وتقديم الدعم والمدد لأوامر الشيطان الأكبر وكأنهم فقدوا جينات الكرامة في تكوينهم الخلقي والأخلاقي والسياسي. لا عرق للأنفة يتحرك في جباهم ولا حتى قطرة حياء ولا نبض للغيرة يحيي فيهم ثورة الوعي السليب. لقد ارتضوا من الغنيمة بالسحت الحرام والقصور والجاه الزائف، بينما تباع بلادهم في سوق النخاسة الدولية.

أخيرا وليس آخرا نقول، إن التأريخ لا يكتب فصوله بمداد الضعفاء ولا يحفظ مكاناً في ذاكرته للخائفين والمستكينين، فمراتب الخلود محجوزة للأمم التي تأبى أن تُقاد كالقطعان، فإذا كانت أوروبا التي كانت يوماً حليفا خاضعا قد استطاعت أن تكسر لجامها وتتمرد على حاكم الأنام المزعوم، فحق على هؤلاء الأعراب أن يستحيوا من خنوعهم الذي فاق كل وصف والسيادة في شرع الأمم الحية تؤخذ غلابا والحرية لا تفتح أبوابها لمن ارتضى البقاء في مستنقع العبودية والطاعة المريب ولهم في موقف الجمهورية الإسلامية شعبا وقيادة.

درساً وعبرة.. فإما وقفة عز تعيد للأمة مكانتها وهذا ما لا نراه فيها حتى الآن بعد إن أفل منها قمر السيد الشهيد الأقدس في ضاحية النصر والصمود أو أنهم أدمنوا الاندثار في مزابل التأريخ حيث لا ينفع الندم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى