“أنت منذ الأمس”صرخة فنية في وجه النسيان ومحاولة لاستعادة الكرامة الإنسانية

تعد مسرحية “أنت منذ الأمس” صرخة فنية في وجه النسيان، ومحاولة لاستعادة الكرامة الإنسانية، ويقف المخرج والمعدّ، عبد السلام قبيلات، خلف هذا العمل بوصفه مهندس رؤيته الفلسفية. لم تكن غايته إدانة خارجية للهزيمة، بل تفكيكها من الداخل لاستكشاف كيف تسكن الفرد وتتشكل في علاقاته الأكثر حميمية. فهي هنا ليست حدثاً سياسياً منفصلاً، بل مناخاً وجودياً يُعاد إنتاجه في دوائر متحدة المركز: في البيت أمام السلطة الأبوية، وفي العلاقة مع المرأة كمرآة للقوة المفتقدة، وأمام خطابات السلطة الفارغة، وصولاً إلى الاحتلال كحلقة أخيرة في سلسلة الخضوع.
كانت المسرحية فرصة هي إعادة قراءة رواية تيسير سبول “أنت منذ اليوم”، ولكن هذه المرة على الخشبة لا بين دفتي كتاب. لم يكن تحويل الرواية – التي نالت اهتماماً نقدياً كبيراً عند صدورها قبل عقود – مجرد عملية شكلية، بل كانت “رؤية مسرحية” متكاملة كما يصفها الدكتور عبد السلام قبيلات، الذي جمع بين إعداد النص وإخراج العمل.
تعامل قبيلات مع النص الأصلي، ذلك الإنجاز الأدبي الذي صدر في أعقاب نكسة 1967 (وحاز جائزة الرواية العربية من ملحق جريدة النهار اللبنانية عام 1968)، باعتباره كائناً حياً يُعاد فحصه وتفكيكه في ضوء اللحظة الراهنة. فالمسرحية ليست سرداً لأحداث الماضي، بل استنطاقاً عميقاً لجسد حاضر معلّق بين أمس مثقل بالهزائم ويومٍ يبحث عن معنى.
إنها حالة وجودية تُعاش على الخشبة، حيث يذوب الفاصل بين الذكرى والواقع، بين حلم “الدولة العظيمة” وواقع “حاشية القش”.
حوّلت رؤية قبيلات المسرحية إلى مجهر يُكبِّر التناقض الداخلي للذات العربية، التي تحلم بحمل “وشم دولة عظيمة” بينما تتساءل: “شعب نحن أم حاشية قش؟”. وعلى الرغم من قوة هذه الرؤية، فإن الإيقاع العام للعرض كان ليبدو أكثر إحكاماً وتوتراً لو قُصِّر قليلاً، حيث بدت بعض المشاهد مطّاطة، مما أثر على حدة التوتر الفلسفي الذي يسعى العمل لبنائه.



