“أبدية مؤقتة” قصائد يكتبها عيسى مخلوف ليتمرد عليها

علي حسن الفواز..
في كتابه الشعري الجديد “أبديّة مُؤقّتة” يؤطر عيسى مخلوف عبر “نصوصه الشعرية” كعنوان ثانوي، شكلا شعريا مغايرا، هو الأقرب إلى “النثر المركز” المفتوح على مستويات متعددة، حيث القص والسيرة والرسالة والتأمل الصوفي والعرفان، وحيث النداء والحلم والترحال، وحيث المونولوج والوصف والطقس، وحيث التقاط ما هو عابر، وما يجمعها هو كثافة التمثيل الشعري، الذي يقترح للكتابة هوية مفارقة.
يضعنا الشاعر والكاتب اللبناني عيسى مخلوف إزاء قصيدة نافرة، يكتبها ليتمرد عليها، إذ لا حدود لهذه القصيدة، وربما لا توصيف لها، سوى أنها تقوم على احتدام اللغة، وعلى صوت الشاعر الذي يستبطن حمولاتها الرمزية، وسحرها الغريب الذي يتبدى عبر الكتابة التي تشبه الطقوس.
يتجاوز الشاعر في تلك الهوية المفارقة المألوف، فيجعلها وكأنها استغراق في هواجس شخصية، تستغرقها أسئلته الوجودية والفلسفية، وتحولاته في الهجرة، وفي ما تخفيه المدن البعيدة، تلك التي توهمه باللامكان، والقلق الذي يوهمه بأن الأبدية غواية، وأن تمثيلها الشعري تحريض على الإيهام بالعودة إلى الجذر، حيث الألفة وانتظار الغائب، وحيث ما يجعل وعيه الظاهراتي مشغولا بالأشياء التي يستدعيها، عبر التفاصيل التي تتشكل في القصيدة، وعبر ما يجعل التقاطها، شغفا بالتقاط المعنى المراوغ، والمقاوم لما يتعرى أمام المحو، والهروب إلى اللغة لتدوين المكوث بوصفه الهيدغري، أو لكتابة ما يشبه التأريخ الشخصي.
الكتابة بواسطة “النثر المركّز” خيار فني، وتجاوز للنمط، وللحبس الشعري، لذا يصرّ على أن تكون عتبة العنوان إشهارا مفارقا، واستغراقا في تمثيله لجسدانية الشعر، وأحسب أن هذا الأمر لا يتعلق بخرق أجناسي، أو بتوسيع مساحة “قصيدة النثر” بقدر ما يعني كشفا عن حساسية الشاعر إزاء توصيف القصيدة، والمناورة بها، بوصفها استبطانَ ما يحمله الشعر من إشارات، ومن تمثيل أسطوري هو الأقرب إلى سحر ميدوزا.



