جماليات التكرار في نصيات الشاعر عبد الإله الصائغ


نور كريم الطائي
للقصيدة العربية شأنية خاصة تتمثل في قدراتها الايقاعية على إحداث الأثر والشغف لدى المتلقي، وهذا الأمر ينطبق كذلك على القصيدة العراقية، ولا اتحدث هنا عن موسيقا إيقاع الوزن والقافية، بل على أساس بناء القصيدة والمفردات المختارة وطبيعة اختيار المفردة مع موضوع النص/ القصيدة، الانسياب الداخلي لإيقاع المضمون على وفق الارسال والتلقي، وهو ما نجده حاضراً في نص (ســـنابل آتـــــية وأنا ماضٍ) للدكتور الشاعر عبد الاله الصائغ، المجنسة تحت عنوان (قصائد ونصوص) وهو سمة القصيدة ما بعد الحداثوية التي تجنح لتداخل التسمية وانفتاحها وعدم تقييدها بشكل ما، ولأن الصائغ يسعى عبر التكرارات اللفظية لإضفاء دلالة جمالية ولغوية على النصية، فيقول في القصيدة:
“مدينتي أزِقَّةٌ تُفْضي إلى أزِقَّةٍ
تُفضي إلى أزِقَّةْ فيها السَّراديبُ بيوتُ النَّمْل
يا نمنمةَ المغيبْ..
يا رَمْلَها والطِيب
يا غابةَ القبورِ والأشباحْ
يا جُرْحَها تلعقُهُ الأشباح
مدينتي تُنُّور يولَدُ فيها النُّور
يُحْرَقُ فيها النُّور
أُحِبُّها أُحبها لو شربتْ دمائي
أُحِبُّها كَوْناً بلا أسماء أُحِبُّها”
يلاحظ تكرار عدة مفردات في النص، مما يضفي موسيقا من نوع خاص على اجواء القصيدة ولم يأتِ التكرار على نحو دلالي لغوي وحسب بل لإضفاء الدلالة السيمائية على النص الشعري، فنرى (النور) تتكرر تارة كانبلاج ولادي، واخرى تتصل بالحرق: بوصفه شعلة اضاءة وتارة لإضافة صفة التنوير عبر المكانية/ المدينة/ ويستمر التكرار في النص الشعري حيث يقول الصائغ في النص الشعري نفسه:
حينَ بكيتُ عادتِ الأشواكُ جُلًنار
واختنق المدارُ في جمجمتي
وغصتُ لا قرار
جمجمةُ السيِّد لا تُغيث بسملةُ الميِّتِ
لا تُغيث تعويذة استسقائنا
والمطر النَّثِيث لا تُغيث!
مدينتي كَرْكَرَةٌ غَيَّبَها المُغني
تبَّتْ يداهُ ثَمِلاً وتبّْ الآكلُ السُّحْتَ
فما أغناه هذا الوطنُ البستانُ والنهران والغرينُ والذَّهب
يمكن ملاحظة تكرار مفردة تُغيث، لثلاث مرات في هذا المقطع بالتحديد وهو نمط استمر في بناء قصيدة الصائغ، وهذه المرة حاول استعارة الآيات القرآنية ليتناص منها بتحوير لغوي على طريقته الخاصة. فهو تناص مع الىية القرآنية، ولكنه وبطريقة شعرية غاير من المفردات بما يخدم النص الشعري. (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) وغيرها من المفردات التي سعى بدلالة قصيدة لتكرارها لإضفاء جمالية على النص الشعري، كما حفلت القصيدة بالعديد من مفردات الحنين للامكنة التي تساوقت مع تكرار المفردات التي اشرنا لها وبالتالي الانصهار مع الجانب السيكولوجي الباحث عن حنين الامكنة داخل النص الشعري.
ولعل اهم مدلول لهذه القصيدة انها رمز للحياة و الحب معاً وليس هذا عجيباً! أليست الكلمات هي بدء الحياة؟ أليست الحروف حياة تنبثق في دواخل كل فرد يقرؤها؟ هذا القلب وهذه الارض التي يحّن لها الجميع وإن ابتعدوا عشرات السنين إنها أجمل الحدائق تستنشق من أرضها الروح الطيبة وأريجها الفواح.. رحيق الحب.. كتب الشاعر بلسان الارض وبيوتها وجدران ازقتها التي تعبق بالوطن وافكاره التي تمخر عباب الزمن..
اشم عطر الخبز في الدماء
اسمع رعد الاهل في الدماء
يا وطني سعديك ان باحة الأشلاء تفتحت زهور
كثيرة هي المرات التي نجدنا فيها لاجئين الى حضن الدموع يا وطني.. انك ارض تنوح عليها الضباع.. صور الشاعر الدماء بكل اجلال وكأن تلك الدماء هي بحر يعانق الوطن؛ الوطن ذلك الجبل العالي الى الشمس, ليلتهمه شيئاً فشيئاً حتى لا يترك منه إلا قمماً مبعثرة! وما ذلك رحمة إنما ليستقر فوق روحه الالم!! ولكن حتى مع هذا الألم زرع الشاعر بذور الامل في وحل الدماء.. فالله مصدر الامل وكل الهناءات, وتلك الزهور وان نبتت في ارض الدماء فهي لسبب ان هناك وجهاً اخر غير الذي نفقه الآن!! هناك عوامل يتضمنها كل عمل ادبي خالد يستقبل الجميع و يبقى عالقاً في اذهانهم منها عمق الدلالة و نضج الحروف الفياضة بعشرات المعاني وهذا حال النص الشعري للدكتور عبد الاله، فقد امتلك الشاعر تلك الخاصية التي جعلته يخط الكلمات ليخلق حلقة وصل حقيقية تجعل القارئ يصدق ويثق بذات الشاعر؛ انها قوة لا يمتلكها الا من تشبعت روحه بالصدق و العطاء الحقيقيين.
اما خطاب ذات الشاعر لـ (سنابل) هو شفرة سرية تختبئ خلف حروف الحب والعشق تلك, خطاب وصف فيه كل احساس بحقيقته الوجودية الجميلة حقيقة كل شيء حتى الالم الذي يعتري الروح بعد الانكسار فهو ايضا جميل له صورته العميقة:
حين بكيت عادت الاشواك جلنار
واختنق المدار في جمجمتي وغصت لا قرار
ثم من واقع يمتزج بالحب والجمال والالم الى امنيات امتزجت بالسحر واقترنت بـ(لو السحرية):
لو ينزل المطر!!
لو.. لو مرة تغتسل الاشجار بالمطر
وجود المطر حقيقة وواقع لكن ربما قصد الشاعر هنا النقاء المفقود والطهر الهالك بين زوايا الاثم فاستخدم (لو السحرية) امنية ان يغسل الطهر والنقاء كل غبار الاثم من النفوس حتى اعماقها ومن مكنونات الروح حتى ازليتها:
ارقني اللا شيء يدمي الشيء
ارقني الطحلب مسروراً برشف القيء
انه اللا شيء.. العدم.. نهاية كل الافكار اللا شيء تسيطر على تفاصيل العقول المفكرة والفلاسفة البحث في قواميس الوجود واللا وجود علّ هناك تفسير منطقي للـ(اللا شيء) التي تعرف المجهول والعدم وتبرر كل ابجديات دواخلنا المتعطشة لإيجاد ما بعد (اللا شيء), وذلك الارق الازلي في دواخلنا لا راحة في دنيا امتلأت ظلماً وجوراً إلا بموت ليس بعده حساب! واي ارق يصيب النفس عندما ترى النهر يبتلع الاشلاء ويُصبغ الازرق بلون الدماء! انه ارق مستمر ازلي لا نهاية له هذه الصورة البسيطة التي ادرجها الشاعر في الطحلب انما هو انصهار الوجود داخل الوجود وانتماء الالم لكل تمفصلات الحياة حتى المشاعر النقية الموجودة في دواخل الروح:
لمست طفولتي في ليلك المهنوء بالقار
يا لـ”سنابل” البعيدة والتي اليها تنتمي خلجات الروح، وذلك القلب والهناءات.. وكأن ذات الشاعر هي واقع يستنجد بـ”امنية” ويلح إليها ان تكون حقيقة، فـ(سنابل) امنية لا تنتمي لواقع يغتال حتى هواجسنا البريئة حد الكبرياء العصي على الفهم لدرجة اللا نهاية الابدية، فكيف لنا ان نفقه كل تلك الجوهريات التي خلفت لنا ما لا نتوق لفهم كنهه ابداً. اننا نعيش وسط تكهنات لا دخل للواقع في وجودها الكلي على حياتنا هو الهروب وفقط.



