لوحات كامران قرداغي.. تحويل المشهد اليومي إلى تأمل بصري يتجاوز المألوف

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
يُعدّ الفنان (كامران قرداغي) من الأصوات التشكيلية التي لا تُشبه سواها، فهو لا ينتمي إلى تيار محدد بقدر ما ينحت لنفسه مسارًا بصريًا خاصًا، تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع الحلم الجمالي. أعماله تتسم بعمق رمزي وتكوينات لونية تنبض بالحياة، وتُظهر قدرة نادرة على تحويل المشهد اليومي إلى تأمل بصري يتجاوز المألوف، ورغم اختياره التجريد أحيانًا، إلا أن لوحاته تظل مشحونة بالمعنى وتدعونا إلى الإصغاء لما لا يُقال.
وقالت الناقدة أميرة ناجي في قراءة نقدية خصت بها “المراقب العراقي”: “في فضاء الفن المعاصر تتجلى بعض الأعمال التشكيلية بوصفها أكثر من مجرد مشاهد مرسومة إنها طقوس بصرية تتكلم بلغة الضوء وتستدعي من المتلقي، حالة تأملية تتجاوز الإدراك الحسي إلى فضاء داخلي يتقاطع فيه الحلم مع الذاكرة، هذه اللوحات لا تُعرض لتُشاهد فقط بل لتُقرأ بصمت وتُستشعر كما تُستشعر القصائد التي لا تُقال”.
وأضافت، ان “ما يميز هذه الأعمال هو ذلك التوازن الحاذق بين التجريد والتمثيل، فهي لا تعيد إنتاج الواقع بل تعيد تشكيله وفق رؤية خاصة، حيث تتحول العناصر المألوفة إلى رموز مشحونة بالدلالة، فالدراجة البيضاء التي تعبر حقلًا متوهجًا بالألوان ليست مجرد وسيلة نقل بل استعارة للحركة الداخلية للرحلة التي لا تُقاس بالمسافة بل بالتحول، والأشكال البشرية التي تتقاطع مع تيارات لونية متدفقة تبدو وكأنها تنبع من نسيج كوني لا مرئي في مشهد يلامس فكرة الانبعاث أو التكوين الأول”.
ونوهت الى ان “اللون هنا لا يُعامل كمادة طلاء بل ككائن حي يتنفس داخل اللوحة، فالأزرق ليس مجرد ظل بل هو عمق هو ذاكرة الماء هو الحنين إلى ما لا يُقال، أما الأصفر فينبثق كوميض روحي يضيء العتمة الرمزية في العمل، وهذا التوظيف الحسي للون يمنح الأعمال طاقة تعبيرية تتجاوز التقنية وتدخل في نطاق الشعر البصري”.
وتابعت: ان “التكوين لا يُترك للصدفة بل يُبنى وفق هندسة دقيقة تُراعي التوازن بين الكتلة والفراغ بين الحركة والسكون، لكنه لا يسعى إلى التماثل بل إلى التوتر الإبداعي الذي يولّد المعنى”.
وواصلت: “في أحد الأعمال، يظهر انقسام بصري بين جبل ثلجي ومدينة متراصة وكأن اللوحة تطرح سؤالًا وجوديًا عن العلاقة بين الطبيعة والعمران بين الصفاء والتكدّس بين الأصل والتحوّل”.
وبينت: ان “الرمزية في هذه الأعمال لا تُعلن نفسها مباشرة بل تتسلل عبر التفاصيل، فالدراجة والأشجار والنوافذ وحتى الخطوط المتعرجة كلها عناصر تحمل شحنة سردية، لكنها لا تُروى بالكلمات بل تُشعر وتُستنبط وهذه القدرة على توليد المعنى دون الإفصاح عنه تمنح الأعمال طابعًا تأمليًا وتجعل كل مشاهدة تجربة جديدة لا تتكرر”.
وأشارت الى ان “اللوحة لا تُجسّد لحظة بل تُعيد تشكيل الزمن، فهي لا تُجمّد الحدث بل تُعيد صياغته في بعدٍ زمني خاص حيث يتداخل الماضي بالحاضر ويتحول المشهد إلى ذاكرة بصرية، هذا البعد يمنحها عمقًا سرديًا ويجعلها أقرب إلى القصيدة منها إلى الصورة“.
وأكملت: “في النهاية لا تُقدَّم هذه الأعمال بوصفها تعبيرًا بصريًا فحسب بل كحالة وجودية، إنها محاولة لفهم الكينونة لاستكشاف ما وراء الظاهر ولإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة، ففي عالم يزداد ضجيجه تأتي هذه اللوحات كمساحة صمت راقية تدعو المتلقي إلى الإصغاء لما لا يُقال والتأمل في ما لا يُرى”.



