اخر الأخباراوراق المراقب

الإِمام محمد الجواد (ع) باب المراد وحجة الله على العباد

الشيخ حسين أحمد كريمو..

الإمام محمد الجواد (ع) هو الإمام التاسع من أئمة الحق والهدى من آل محمد (صلوات الله عليهم جميعاً) وهو بالحقيقة معجزة الإمامة والولاية في هذه الأمة التي ضيَّعت طريقها وضلَّت صراطها التي أمرها الله ورسوله بأن تسلكه لتنجو من الهلاك في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، وذلك بتعمُّدها واختيارها المسير في الطُّرق المختلفة التي شقَّها لها الأولون منها لا سيما السُّلطة القريشية التي أوصلوها إلى الشجرة الملعونة في القرآن الأموية فحولوها إلى ملوكية وسلطة عضوضة عضتهم في مقتل فتفرَّقوا طرائق قددا ولم ولن يجتمعوا أبداً إلى أن يأذن الله لجامع الكلمة على التقوى في آخر الزمان وهو الإمام والولي الخاتم من آل محمد.

وذلك لأن الإمام محمد الجواد الذي طال انتظاره من أبيه، وأهله وشيعته ومحبيه حتى ضلَّ بعضهم وملَّ أكثرهم فجاءوا إلى سيدهم ومولاهم الإمام علي بن موسى الرِّضا (ع) الذي لم يرزق بأولاد حتى كبر سنَّه نسبياً فشكُّوا به وبالإمام من بعده حتى كَتَبَ اِبْنُ قِيَامَا -الواقفي- إِلَى أَبِي اَلْحَسَنِ -الرِّضا- (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) كِتَاباً يَقُولُ فِيهِ: كَيْفَ تَكُونُ إِمَاماً وَلَيْسَ لَكَ وَلَدٌ؟ فَأَجَابَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) شِبْهَ اَلْمُغْضَبِ: (وَمَا عَلَّمَكَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ؟ وَاَللَّهِ لاَ تَمْضِي اَلْأَيَّامُ وَاَللَّيَالِي حَتَّى يَرْزُقَنِيَ اَللَّهُ وَلَداً ذَكَراً يَفْرُقُ بِهِ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَاَلْبَاطِلِ).

والعجيب أن أهل الشَّك والضَّلال اتَّخذوا من هذه الحادثة -تأخير ولادة الإمام الجواد- مجالاً للشك والطعن بإمامة والده العظيم عالم آل محمد، ثم التشكيك بإمامته هو بعد ولادته، والحقيقة أنه كان معجزة كبيرة وحجة دامغة للإمام الرِّضا (ع) لأنه كان يُخبرهم ويتكلم عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله -كما يرون ويعتقدون- فكيف يُخبر عن ولده وليس له ولد؟، وعن الإمام الجواد (ع) نفسه وإمامته إذ كيف يتسلَّم منصب الإمامة طفل يبلغ من العمر ست سنوات وفارقه والده إلى خراسان وبقي هو في المدينة المنورة وهو ابن أربع سنوات فمَنْ ربَّاه وعلَّمه وأفاض عليه ذلك النور والبهاء بحيث أنه خضعت له الرِّقاب من عبد الله المأمون الحاكم للإمبراطورية العباسية وما دونه من أهل البلاط وخارجه وهذا ما يشهد به التأريخ حيث بيَّض صفحاته الإمام الجواد بسيرته العطرة وأثبت حضوره وجدارته بقيادة الأمة وريادتها رغم كل ما أحاط به من ظروف؟

فكيف لابن أربع سنوات أن يسدَّ مكان والده الإمام علي بن موسى الرِّضا (ع) في المدينة المنورة حيث كانت له حلقة درس منذ أن كان في الثامنة عشرة من عمره الشَّريف ولما استقدمه المأمون إلى مرو سافر وترك ولده الجواد (ع) مكانه ليدير الأمور وهو في تلك السن المبكرة جداً، وهذا ما احتجوا على الإمام الرضا نفسه به حيث روي عن صَفْوَان بن يحْيَى قال: قُلْتُ لِلرِّضَا (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): قَدْ كُنَّا نَسْأَلُكَ قَبْلَ أَنْ يَهَبَ اَللَّهُ لَكَ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) فَكُنْتَ تَقُولُ: (يَهَبُ اَللَّهُ لِي غُلاَماً) فَقَدْ وَهَبَ اَللَّهُ لَكَ فَقَرَّ عُيُونُنَا فَلاَ أَرَانَا اَللَّهُ يَوْمَكَ فَإِنْ كَانَ كَوْنٌ فَإِلَى مَنْ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) وَهُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا اِبْنُ ثَلاَثِ سِنِينَ! قَالَ: (وَمَا يَضُرُّهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ قَدْ قَامَ عِيسَى (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) بِالْحُجَّةِ وَهُوَ اِبْنُ ثَلاَثِ سِنِينَ).  

وكم واجه الإمام الرِّضا (ع) من أمثال هؤلاء الذين يقرأون القرآن ويتلونه في آناء ليلهم وأطراف نهارهم ويعتبرون أنفسهم من الشيعة والموالين إلا أنهم لا يفهمون، ولا يدركون، ولا يتعقلون كيف يكون الإمام صغيراً في السِّن وكأن السِّن -المقياس القرشي الأول لأهل السقيفة- مازال معمولاً به إلى عصر الإمام (ع) ولم يخطر ببالهم أن السيد المسيح وابن خالته يحيى بن زكريا بُعثا أطفالاً وأحدهما كان في المهد صبياً، لا سيما السيد المسيح بن مريم (عليهما السلام) الذي كان نبياً مرسلاً ونزَّلَ الله عليه كتاباً هو الإنجيل وهو طفل صغير، وصرَّح بنبوته ورسالته وهو في المهد ابن ساعات، وانتهت رسالته كلها وهو في 33 سنة من عمره فقط وتأتيك السلطة القرشية لتقول لأمير المؤمنين الإمام علي (ع) ابن 33 سنة: أنت صغير في السِّن، ويجب أن نضع مَنْ هو أكبر منك سناً، وكذلك ما زالت هذه الأمة تقيس بنفس المقياس إلى اليوم للأسف الشديد وكأن القرآن الحكيم نزل لغيرها، أو أنها تؤمن بكل فضيلة حتى إذا وصلت إلى آل محمد أنكرت وجحدت وقالت: أنَّى لهم ذلك؟

والإمام علي بن موسى الرِّضا (ع) قد أجابهم بجواب قاطع لكل شخص قارئ أو سامع إذا كان من أهل العقل السليم والمنطق القويم بقوله: (إِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ يَتَوَارَثُ أَصَاغِرُنَا عَنْ أَكَابِرِنَا اَلْقُذَّةَ بِالْقُذَّةِ)، وأهل البيت جميعاً لا يقاس بهم أحد من هذه الأمة ولا من غيرها، كما في الروايات التي يشهد بها العلماء لا سيما أحمد بن حنبل صاحب المذهب وغيره.

والحقيقة والواقع والمنطق والدِّين يقول: بأن الإمام محمد الجواد (ع) هو الإمام الحق والمعجزة التي أثبت فيها الله تعالى إمامة والده الرِّضا (ع)، وإمامته هو على الأمة لأنه كان إماماً وهو بتلك السِّن الصغيرة، ولذا عبَّر عنه والده الإمام الرضا (ع) تعبيراً عجيباً لم يتوقف العلماء والفضلاء عنده وهو ما رواه يَحْيَى اَلصَّنْعَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) وَهُوَ بِمَكَّةَ وَهُوَ يُقَشِّرُ مَوْزاً وَيُطْعِمُهُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلْمُبَارَكُ؟ قَالَ: (نَعَمْ؛ يَا يَحْيَى هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي اَلْإِسْلاَمِ مِثْلُهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْهُ).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى