اخر الأخباراوراق المراقب

الكتابة والارتقاء بالحياة

تطمح الأمم كلها إلى الارتقاء والتطور المستمر في الحياة، وهذا صنع نوعاً من المنافسة الطبيعية بين البشر، ويبقى التفوق رهناً بسعي الناس وما يبذلونه من جدّية وعمل دؤوب يجعلهم في المقدمة دائما، ومن عوامل وأسس ارتقاء الأمم والشعوب عامل الكتابة، حيث تكون سبباً مهمّاً وأساسياً في هذا المضمار.

الكتابة وسيلة فكرية أخلاقية يمكن الاستعانة بها من قبل الإنسان لكي يطوّر نفسه، أفكاره، رؤاه، ونظرته إلى الحياة، وكيفية التعاطي معها، والأمة التي لا يوجد فيها علماء ومؤلفون وكتّاب، لا يمكن أن ترتقي وتتطور، لأنها سوف تبقى تراوح في مكانها، بسبب غياب الأفكار الجديدة والمعارف المتجددة، والسبل التي يمكنها أن تغيّرها نحو الأحسن.

إن الإسلام كما هو معروف وضع القواعد والأحكام الصحيحة التي نظّمت حياة الفرد والجماعة بما يتناسب وطبيعة المرحلة، لذلك ارتقت أمة المسلمين، وبنت دولتها القوية الناجحة وبنيتها الاجتماعية الجيدة، ولكن هنالك أسباباً معروفة ومحددة تدخلت بالضد من تلك القواعد الصحيحة، منها المؤامرات التي حيكت ضد المسلمين من خارج الحدود، والتدخل الإعلامي الخبيث، وكذلك التطبيق المنحرف للأحكام والتعاليم الإسلامية، هذا الشيء حدد حركة التقدم ومساره الذي كان موجوداً ابان الرسالة النبوية.

لقد صنع الإسلام أناسًا أحراراً في مطالع انطلاق الرسالة النبوية، حيث كان للرسول “صلى الله عليه وآله” فضلا عن مجتمع الجزيرة، عندما بث في عقولهم موجات متجددة من الوعي، وأصبحوا يتعاطون مع الحياة الجديدة بما يضمن لهم التقدم والتطور والارتقاء بسبب تطور رؤيتهم للحياة، فكان انبثاق الرسالة النبوية لحظة تأسيس لدولة قوية ومجتمع متطور.

مقاييس التفاضل بين الناس

لكننا اليوم نعيش حالة أخرى، حيث بات الإنسان مقيّدا ومكبّل العقل والتفكير، ولم تعد التقوى هي مقياس التفاضل بين الناس، بل أصبحت هناك مقاييس ومعايير أخرى حلَّت محل التقوى، فصارت من أكبر العوائق التي أعاقت تقدم وتطور المسلمين، ومن هذه العوائق استبدال مقياس التقوى بمقاييس خاطئة مثل القومية، والنعرات الطائفية، وحتى اللغة، صارت مقياساً للأفضلية، فأدى ذلك إلى تراجع المسلمين إلى الوراء، بدلا من مواصلتهم التقدم والتفوق على الآخرين.

إن عملية التشاحن بين البشر، لا تصب في صالح أحد، بل على العكس من ذلك، فهي تعيق عمليات التطور والتفوق والارتقاء، ولا أحد يستفيد من النزاعات الفكرية، أو العنصرية، أو الطائفية، بل يحدث العكس حين تغيب الألفة بين بني البشر، وتقلّ التقوى ولا تبقى كأساس تعتمد عليه الناس لاختيار الأفضل من بينهم.

لذا يحتاج المسلمون إلى الكتابة وتأليف الكتب كوسيلة للارتقاء الفكري والعلمي والأدبي والديني وفي المجالات كافة، فلا يمكن التفريط بالكتابة، لأنها تقوم بمهمة صنع الأفكار الجديدة وتحويلها من عقل الكاتب أو المؤلف أو العالِم إلى العقل الجمعي الذي تمثله عامة الناس، فالكتابة هي الوسيط الصحيح والمهم بين الارتقاء والتقدم وبين عامة الناس.

لهذا يجب أن يتحلى الكاتب بالعلمية العالية وبامتلاكه ثروة كبيرة من الأفكار الجديدة والمفيدة والمبتكَرة، ويجب أن يمتلك متابعة جيدة للمستجدات، وعليه في ذات الوقت، أن يتناول القضايا الحيوية التي تُسهم بقوة وفاعلية في عملية التقدم والارتقاء، لاسيما أننا نمتلك القدوة والأسوة المتمثلة بأهل البيت “عليهم السلام”، وما على الكاتب إلا أن يوصل لعموم الناس الأفكار الإسلامية السديدة التي يمكن أن ترتقي بعقول الناس وتضاعف من وعيهم وثقافتهم ورؤيتهم الصحيحة للحياة.

لذا يجب إيصال هذه الطاقة الفكرية الإيجابية التي يطرحها الإسلام ليس إلى المسلمين وحدهم، بل إلى عموم البشرية، لأن الحاجة الصحيحة إلى العلم والمعرفة الجادة، وسبل الارتقاء لا تتعلق بالمسلمين وحدهم، بل يجب إيصال ذلك إلى البشرية كلها، كونها تشترك معنا في هذا الكوكب الذي يحتاج فيه الإنسان إلى الاستقرار والانشغال بما ينفع ولا يضر، وهذا يرتبط بقيمة وحجم المعلومات والأفكار المهمة التي يمتلكها الكاتب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى