قصص قيس عمر تمنح العالم صوتًا يخرجُ من الروح بتفاصيل يومية

صياد الجوائز العربية والعراقية
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
تقديرًا لمسيرته الإبداعية في القصة القصيرة على اعتباره واحدا من صيادي الجوائز العربية والعراقية، يقيم نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق جلسة حوارية للسارد د.قيس عمر تتناول تجربته المتميزة التي سيتحدّث عنها الشاعر والناقد محمود جمعة.
وقال الناطق الإعلامي لاتحاد الأدباء معن غالب سباح في تصريح خص به ” المراقب العراقي”إن “نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق سيقيم جلسة حوارية للسارد د.قيس عمر في الساعة الرابعة من مساء غد الأربعاء على قاعة الجواهري اتحاد الأدباء “.
وأضاف: إن ” الجلسة تأتي ضمن موسم نادي السرد وسيديرها الروائي خضير فليح الزيدي “.
وأوضح أن” الجلسة ستتخللها قراءات نقدية من قبل الشاعر والناقد محمود جمعة والنقاد والمهتمين بالقصة القصيرة الذين وُجهت لهم الدعوة للمشاركة في إغناء موضوعها”
من جهته قال الناقد جاسم خلف في تصريح خص به ” المراقب العراقي” : إن “تجربةٍ السارد د.قيس عمر السرديّةٍ تشقُّ دربَها بثباتٍ استثنائيٍّ، وتوقظُ فينا ذلك الشعورَ البهيَّ بأنَّ القصةَ القصيرةَ ما تزالُ قادرةً على أن تُجدِّدَ دماءَها، وأن تُدهِشَنا، وأن تمنحَ العالمَ صوتًا آخر يخرجُ من تخومِ الروحِ بكل تفاصيلَ الحياةِ اليومية”.
وأضاف :سنحتفي بقاصٍّ لم يأتِ مِن الطرقِ المُعبَّدة، ولا مِن مناطقِ السردِ السهلة، وإنما جاء من ذلك الفضاء الذي لا يرتاده إلّا مَنِ امتلك جرأةَ الحفرِ في طبقاتِ الواقعِ الخفيّة، ومَن آمَنَ بأنّ الكتابةَ ليست زينةً لغويّةً إنما مغامرة ووجود وخلاص وسنُكَرِّم قاصًّا حمل خيباتِ البشرِ وآلامَهم وأسئلتَهم، ومضى بها إلى فضاءِ التخييل، ليُعيدَ تشكيلَها وفقَ منطقِ الواقعيّةِ السحرية؛ ذلك المنطقِ الذي يجعلُ اليوميَّ غَرائبيًّا من دون أن يُخرِجهُ من صدقه، ويجعلُ الخارِقَ ممكنًا من دون أن يُخلخِلَ قوانينَ العالم. لقد اختار أن يكتبَ في منطقةٍ وعرة، إذ يُصبحُ الواقعُ مجردَ طبقةٍ أولى لطبقاتٍ أعمقَ وأشدَّ التباسًا، فتتحوّلُ الحكايةُ مِن مجردِ حدثٍ إلى آليّةٍ لخلخلةِ يقينِ القارئ ومعارفِه”.
وتابع :”حين نتحدثُ عن تجربته، فنحن نتحدثُ عن مسارٍ إبداعيٍّ أثبت حضورَه ليس داخلَ العراق فحسب، وإنما على المستوى العربيّ بأكمله، عبرَ منجزَينِ أدبيَّين رسَّخا اسمَه بين كبارِ كُتّابِ القصةِ اليوم. ففوزُهُ بمسابقةِ الشارقةِ للقصةِ القصيرة شهادةً مرجعيّةً على خصوصيّةِ صوتِه السرديّ، وقدرتِه على الإمساكِ بتلابيب اللحظةِ القصصيّة”.
وأوضح أن” مجموعتُه (جِذامير) أشبهُ بخرائطَ تحتيةٍ للعالم، خرائطُ تحفرُ في الجذور، في الأعماق، فيما يُرادُ تجاهلُه أو إخفاؤه. ولعلّ عنوانَها وحدهُ يشي بما تحمله من نزوعٍ جماليٍّ يقوم على كشف منطقةِ الظلِّ في الإنسان. جذامير: هو جمع “جذمور”، وهو مصطلح نباتي يصف ساقًا أرضية تنمو أفقيًا تحت سطح التربة أو فوقه، وتُستخدم للتكاثر وتخزين الغذاء. تخرج من عقد الجذمور جذور جديدة وبراعم يمكن أن تنمو لتصبح نباتات جديدة مستقلة، مثل الزنجبيل ونباتات النجيل. في سياق فلسفي، يستخدم المصطلح لوصف نموذج غير هرمي وغير مركزي من العلاقات بين العناصر”.
وواصل :”ثم تأتي الجائزةُ الثانية، جائزةُ الطيبِ صالح، لتؤكد توهُّجَ هذه التجربة. فمجموعتُه (لا ظلالَ لِنُمورِ بورخِس) بناءٌ سرديٌّ مُغايرٌ يستعيدُ روحَ بورخس دون أن يُقلِّده، بل يُحاورُه، يشتبكُ معه، ويفتحُ بابًا على عالمٍ قصصيٍّ يستمدُّ غرابتَه من واقعِنا نفسِه لا من معجزاتٍ مُتخيّلة، إنّها نصوصٌ تسيرُ على الحافةِ بين الممكنِ والمستحيل، بين الذاكرةِ والسراب، وتفعلُ ما لا تفعله إلّا القصصُ الكبرى: تتركُ في القارئ أثرًا لا يزولُ بسهولة”.
وبين :”أننا إذا أردنا الوقوف عند سرِّ تفردّه، فسنجدُ أنّه يكتبُ الواقعيةَ السحريةَ بوصفِها موقفًا من العالم. إنّه لا يضعُ السحرَ بوصفه عنصرا خارجيٍّا يهبطُ على النص فحسب، وإنما ينبعُ السحرُ من داخلِ الواقع، من هشاشتِه، من شقوقِه، من تلك اللحظاتِ التي تتأرجحُ فيها الحقيقةُ وتفقدُ توازنَها. الواقعيّةُ السحريةُ في نصوصِه تحوّلٌ طبيعيٌّ لمن يعيشُ في عالمٍ لا يُصَدَّق، عالمٌ تتداخلُ فيه الحقائقُ بالأساطير، اليوميُّ بالميتافيزيقي، والمألوفُ بالمفارِق. وهذا ما يجعلُ قصصَه شديدةَ القُربِ من القارئ وشديدةَ البُعدِ عنه في آنٍ واحد؛ نراها ولا نُمسِك بها، نُصدِّقُها ونتساءلُ عنها، نقرأُها فنجدُ أنّنا داخلَها وخارجَها في الوقتِ نفسه.
وأشار الى أنّ” تكريمَ القاصِّ قيس عمر لا يعني تكريمَ شخصٍ، بل هو تكريمٌ لمشروعٍ، لتجربةٍ تكتبُ بدمِها لا بحبرِها، تجربةٌ لها تفردها الخاص. إنّه صوتٌ ينتمي إلى الجيلِ الذي رفض أن يكون تابعًا، ورفض أن يستسلمَ لإغراءاتِ الاستسهال، وذهب نحو كتابةٍ تُقاوِم، وتجادل، وتفتحُ جرحًا جديدًا في السرد، كي تدخلَ منه الأسئلةُ الكبرى للحياةِ والإنسانِ والقدر”.
وأكمل :”لقد أثبتَ منجزُه أنَّ القصةَ القصيرةَ، حين تقعُ في يدِ مبدعٍ حقيقيٍّ، تُصبحُ قادرةً على إعادةِ إنتاجِ الواقعِ لا نقلِه، وعلى مساءلةِ العالمِ لا وصفِه، وعلى مغادرةِ حدودِ النوعِ الأدبيِّ إلى آفاقٍ جديدةٍ لا تُعرَفُ بقدرِ ما تُكتَشَف. ومن هذا المنطلق، فإنّنا اليوم نحتفي بصوتٍ إبداعيٍّ يتنامى، ويتوسّع، ويجعلُ من كلِّ نصٍّ يكتبُه لحظةً مختلفةً في تأريخِ قرّائه”.



