أمُ البنين.. مقـدمات المواقف الخالدة

صباح الصافي..
المواقف العظيمة لا تولد من فراغ، ولا تنشأ مصادفة، فهي ثمار النّفوس الكبيرة التي أعدَّت نفسها منذ البداية لتحمل الرسالة وإضاءة دروب الحقِّ. ومن يتأمَّل حياة السيِّدة الجليلة أمِّ البنين (عليها السلام)، يلمس بوضوح عمق الإيمان، وسمو الوفاء، وعلو المقام، ويتبيَّن أنَّ تلك المواقف الخالدة لم تأتِ إلَّا نتيجة أسس راسخة وأسباب متينة شكَّلتها روحها الطَّاهرة وعقيدتها الرَّاسخة. فهذه السيِّدة العظيمة لم تكن نموذجًا في الوفاء لأهل البيت (عليهم السلام) فحسب؛ بل كانت مدرسة في العلم، والحكمة، والتَّضحية، والصَّبر، والتَّربية.
السَّبب الأوَّل: المنبت الطَّيِّب
لقد أكَّد الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) على أهميَّة اختيار الزَّوجة الصَّالحة، مشدِّدًا على أصالتها ونسبها، فقال: “أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمنِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خَضْرَاءُ الدِّمنِ؟
قَالَ: المَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي مَنْبِتِ السَّوْءِ”. فالمنبت الطَّيِّب هو الأساس الذي يُثمر صلاح الإنسان وصلاح ذريته.
لقد كانت السيِّدة أمُّ البنين (عليها السلام) تحمل في قلبها حبًّا جمًّا لإمامها الحسين (عليه السلام)، حبًّا جعله يتربَّع على عرش قلبها، متقدِّمًا على كلِّ شيءٍ آخر. وحين وقف النَّاعي بين يديها يحمل أنباء المعركة، لم تبادر بسؤالٍ عن مصير أبنائها الأربعة. وكان همُّها الأوَّل معرفة ما جرى للإمام الحسين (عليه السلام)؛ فهو مركز قلبها، وذروة ولائها، وكلّ ما عداه يأتي بعده.
وعلى العكس، إذا نشأت المرأة في منبت سيئ، فإنَّ النُّفوس القاسية غالبًا ما يسبقها الميل إلى بغض أهل البيت (عليهم السلام)، وهذه الغيرة أو العداوة تصبح من أولى الذُّنوب والمعاصي الكبيرة التي تلوث النَّفس. ولذلك، عند مراجعة تأريخ أولئك الذين نصبوا العداء للمعصومين (عليهم السلام)، نجد أنَّ كثيرًا منهم افتقر إلى الأصل الطيِّب في النَّسب والحسب، وهو ما يوضح أنَّ المنبت الطيِّب هو أساس الحبِّ والوفاء والارتقاء.
السَّبب الثَّاني: بناء النَّفس
والمقصود به ذلك التَّمهيد الذي يجعل الإنسان قادرًا على احتضان العلوم والمعارف الإلهيَّة، فالنَّفس التي لم تُهيَّأ من الدَّاخل لا تستطيع أن تحمل نورًا، مهما بلغ صفاؤه.
لقد كانت السيِّدة أمُّ البنين (عليها السلام)، قبل أن تدخل بيت أمير المؤمنين (عليه السلام)، امرأة ربَّت ذاتها تربية واعية، وزكَّت قلبها تزكية خالصة، حتَّى غدت روحُها موئلًا للإخلاص والصِّدق واليقين.
السَّبب الثَّالث: الدُّخول إلى مدينة العلم.
والمقصود هو الدُّخول إلى مدرسة الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) من الباب الذي وضعه وحدَّده لنا، وأكَّد عليه بقوله الشَّريف: “أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيَأْتِ الْبَاب”، وهذه الحقيقة هي منهجٌ يحدّد الطَّريق لمن أراد بلوغ الوعي، وركوب سُلَّم المعالي، والوصول إلى أنوار المعرفة الإلهيَّة.
وقد دخلت السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) هذا الباب بصدقٍ وتسليم، فكان نصيبها من العلم والمعرفة نصيب الأرواح الطَّاهرة التي تُحسن التَّلقّي وتُتقن الفهم. درست في هذه المدرسة المحمديَّة العلويَّة دراسة القلب قبل دراسة العقل، فأصبحت من النساء العظيمات اللاتي بلغن من الفضل والكمال والوعي مرتبةً يندر بلوغها.
السَّبب الرَّابع: الدِّفاع عن الإمامة الإلهيَّة.
الدِّفاع عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، والتَّضحية في سبيلها، هو شرف الرِّسالة الذي ينهض به المؤمنون والمؤمنات بكلِّ إخلاص. وكانت السيدة أمُّ البنين (عليها السلام) من أولئك الذين حملوا هذا الواجب على كتفٍ ثابت وقلبٍ مطمئن. وقد تجلَّى هذا الدور العظيم في دفاعها الحازم، وذودها المتين عن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، يوم كانت الكلمات مواقف، والمواقف شهادات تُكتب بالنور، وفي فضحها لأعداء الله (تعالى) وأعداء رسوله (صلَّى الله عليه وآله)، مُظهِرةً بذلك شجاعةً وإخلاصًا وروحًا فذة، جعلتها نموذجًا يُقتدى به في الوفاء والنُّصرة والولاء المطلق لآل العصمة (عليهم السلام).
لقد أظهرت السيدة أمّ البنين (عليها السلام) تلك المهمَّة العظيمة بأبهى صورها، فقد فهمت معنى قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “اللهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ” وهذا القول العظيم كان منهجًا للحياة، وميثاقًا للوفاء وعن طريقه أدركت أمُّ البنين واجب الولاء التام للأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وواجب الدِّفاع عن دين الله (تعالى) وفضح أعدائه فكان قلبها ثابتًا، وعزمها صلبًا، وروحها متوقدة، حتَّى صارت مثالًا حيًّا للإخلاص المطلق الذي يترجم القول إلى عمل، والحبَّ إلى تضحية.
لقد نصرت أمُّ البنين (عليها السلام) الإمام عليًّا وأولاد عليٍّ (عليه السلام)، وعرفت أنَّ رضاهم طريق رضى الله (تعالى)، وأنَّ من أراد الله (سبحانه وتعالى) ابتدأ بهم (عليهم السلام)، وأنَّ الأعمال لا تُقبل إلَّا بولايتهم (صلوات الله عليهم)، فكانت تحرص على رضاهم؛ وبذلك، وصلت أمُّ البنين (عليها السلام) إلى مرتبة الفقه بأبعادها وأركانها، وأقصد بالفقه هنا العلم الغزير، والمعرفة العميقة، والحكمة الرَّشيدة، فالفقيه الحقيقي هو من يجمع بين فهم الدِّين ومعرفة مقاصده، (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)؛ لأنَّها تفتح له أبواب الفهم والتمييز، وتمكِّنه من السَّير في طريق الحقِّ بثبات.
إنَّ سيرة السيدة أمِّ البنين (عليها السلام) تعلِّمنا أنَّ العظمة لا تُنال بالأقوال؛ بل بالأعمال، وأنَّ العلم والمعرفة هما مفتاح الفهم، والعمل الصَّالح هو طريق التَّطبيق، والمودَّة لأهل البيت (عليهم السلام) هو نور يقود الإنسان إلى أعلى درجات الوفاء والفضيلة. ومن أراد أن يرتقي، وأن يترك أثرًا خالدًا، فعليه أن يسير على نهجها: يزرع الفضائل في نفسه، ويغرسها في أولاده، ويجعل العلم والعمل منهجًا لحياته، ليصبح اسمه محفورًا في ذاكرة التَّأريخ، كما حفرت أمُّ البنين (عليها السلام) اسمها بمداد الوفاء والإيمان والصِّدق المطلق.



