“إسرائيل” والاختلال الاستراتيجي.. من صدمة الطوفان إلى خطة الإنقاذ

بقلم: شرحبيل الغريب..
تعيش “إسرائيل” واحدة من أعقد مراحلها السياسية والأمنية منذ قيامها على أرض فلسطين عام 1948، مرحلة تجاوزت في وصفها بالأزمة إلى مستوى الاختلال الاستراتيجي، فقد تداخلت فيها الانقسامات الداخلية وتراجع الردع العسكري إلى حد كبير، وتآكلت الثقة بالقيادة وازدادت من حولها الضغوط والعزلة الدولية، لتشكل هذه العناوين إعادة صياغة مشهد يكشف عن حجم هشاشة البنية السياسية والأمنية فيها.
هذا الاختلال الذي بدأ يؤدي إلى التفكك، لم يبدأ مع الحرب على غزة لكنه طفا إلى السطح تدريجياً بصورة غير مسبوقة بعد وصول حكومة الائتلاف لليمين الإسرائيلي المتطرف في 2022، وقبل أن ينفجر برميل البارود بالكامل في السابع من أكتوبر 2023 مع تنفيذ عملية “طوفان الأقصى”، الحدث الذي شكّل نقطة تحوّل في “إسرائيل” داخلياً وخارجياً، ثم تعمقت بفعل الأداء العسكري والسياسي المرتبك طيلة فترة الحرب.
ما تعيشه “إسرائيل” هذه المرحلة هو اختلال وعدم اتزان وانهيار في القدرة على ضبط النظام الداخلي أو السيطرة على مسار العلاقات الدولية الخارجية، وهذا الانكشاف الكبير يعكس لحظة فارقة في تأريخها، وهي التي نشأت قبل أكثر من خمسة وسبعين عاماً على ركائز ثلاث أساسية طالما تفاخرت بها، بدءاً من ركيزة التفوق العسكري، والدعم الدولي اللا محدود، وصولاً إلى تماسك الجبهة الداخلية.
تظهر مظاهر الاختلال الاستراتيجي في “إسرائيل” في جوانب عدة، وعلى مستويات متعددة لا يمكن تفسيرها كأنها أزمات هامشية عابرة، بل إشارات تعكس اختلالات بنيوية عميقة.
أولاً: تفكك في النظام السياسي وتآكل في شرعية الحكم، ومنذ تشكيل حكومة نتنياهو الائتلافية التي تُعد أكثر حكومات “إسرائيل” تطرفاً، انفجرت التناقضات داخل النظام السياسي، وتفاقمت الأزمات بين الشارع الإسرائيلي والمؤسسات، وتصاعدت التظاهرات وانعدام الثقة بالمستوى السياسي، وتحديداً بعد إخفاق “الجيش” في منع أو إفشال عملية “طوفان الأقصى”، وفي جردة حساب سريعة لعامين مضيا لم يستطع نتنياهو تجاوز مشهد الخلافات بين ائتلافه والمعارضة وتحوّل المشهد إلى مشهد مرهق ذي عبء مباشر في إدارة الحرب، وظهرت للمرة الأولى المؤسسة العسكرية في “إسرائيل” في حالة صِدام مع المستوى السياسي، بدأت من التصريحات الإعلامية إلى مسلسل التسريبات وصولاً إلى التصريحات العلنية، كلها مؤشرات كشفت وعكست عمق الشرخ والاختلال داخل البنية السياسية الإسرائيلية.
ثانياً: انهيار الردع وتراجع الثقة في القوة العسكرية، إذ شكلت عملية “طوفان الأقصى” منذ لحظتها الأولى ضربة مباشرة لأسطورة الردع الإسرائيلي، و”الجيش” الذي كان يقدّم نفسه القوة الأقوى في المنطقة، وجد نفسه أمام انهيار كامل لفرقة غزة، وعاجزاً عن حماية الحدود بل وعن منع اقتحام مستوطنات محصّنة بالجُدُر والتكنولوجيا، بل وأبعد من ذلك عن الفشل في حسم الحرب وتحقيق أهدافها، رغم مرور أشهر طويلة.
أضف إلى ذلك، الإخفاقات الأمنية الاستخبارية وعدم القدرة على تحديد شكل نهاية الحرب وفق الأهداف الاستراتيجية المعلنة لها، وتوسع جبهات الاشتباك والإسناد من غزة إلى شمال فلسطين حيث حزب الله، والبحر الأحمر حيث القوات اليمنية المسلحة، كلها عوامل جعلت “إسرائيل” تعمل فوق طاقتها العسكرية وتتكبّد كلفة سياسية وأمنية غير مسبوقة“.
ثالثاً: تصدع الصورة وتراجع المكانة الدولية لـ”إسرائيل”، فالصورة التي حرصت على تسويقها لعقود، تصدعت بشدة، والضغوط الدولية ودرجة المقاطعة بلغت مستويات لم تعهدها “إسرائيل” من قبل، ووصل بها الحال إلى بدء جهات دولية بفتح تحقيقات أممية وانتقادات دولية وغربية لاذعة، وارتفاع مستويات المقاطعة، وانتفاضات الجامعات في أمريكا ودول مختلفة، وتزايد الخطاب الحقوقي الذي وضع “إسرائيل” في خانة الدول المنتهكة للقانون الدولي المرتكبة لجرائم حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين.
ساهمت المقاومة الفلسطينية في تعميق هذا الانكشاف وفي فرض حرب استنزاف طويلة تجاوزت كل التوقعات ورؤية “إسرائيل” نفسها للحرب طيلة العامين، وفتح جبهات متعددة في وجه “إسرائيل” شكّل حالة إرباك كبيرة وغير مسبوقة، كل هذه المعطيات أطالت أمد الحرب وعكست فشلاً إسرائيلياً في تحقيق الأهداف، وتحويل قطاع غزة إلى ساحة اختبار لقدرات “جيش” الاحتلال الإسرائيلي، أثبتت فيها المقاومة قدرة عالية على الصمود والمناورة وإيقاع الخسائر، حتى باتت “إسرائيل” بعد عامين من الحرب تواجه سؤالاً وجودياً، كيف يمكنها استعادة الردع في ظل استمرار هشاشة الجبهة الداخلية وتآكل الثقة بالمستويات السياسية والأمنية مع تنامي العزلة الدولية.
إزاء هذا كله، باتت “إسرائيل” التي تراكمت فيها الضغوط الداخلية والخارجية تسير وفق ما تراه الوصاية الأمريكية الجديدة التي تعمل لأجل منح “إسرائيل” فرصة لإعادة صياغة مخارج سياسية تخفف من حدة الانكشاف والاختلال الاستراتيجي.
المحصلة النهائية لنتنياهو تعُدُ خطة الرئيس ترامب أشبه بضمانة سياسية مؤقتة تمنع الانهيار الكامل وتحاول إنقاذ المشهد ولو تكتيكياً، لكن الأهم أمام كل هذا هو أن “إسرائيل” تقف أمام لحظة تأريخية مليئة بالأسئلة، فـ”طوفان الأقصى” لم يكن مجرد عملية عسكرية للمقاومة فحسب، بل شرارة كشفت عمق الاختلالات الاستراتيجية البنيوية في “إسرائيل”، إلى أن جاءت الخطوة الأميركية لتوفر لـ”إسرائيل” فرصة لالتقاط الأنفاس وجاءت معها الضغوط الأميركية لتؤكد أن “إسرائيل” لم تعد اللاعب المطلق المتحكم في مسار الأحداث، وأن المنطقة تتجه إلى واقع جديد لا مكان فيه أبداً للاتزان القديم، ولا مكان فيه لتغييب الحقيقة التي يتوجب على الجميع إدراكها، وهي أن “إسرائيل” بعد عامين من “الطوفان” تعيش أعمق لحظات الاختلال الاستراتيجي منذ عقود.



