المركزي يقيد حسابات مشاهير السوشيال ميديا لحماية النظام المالي

بعد تورطهم بغسيل الأموال وتهريب العملة
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
شهد القطاع المالي العراقي في السنوات الاخيرة تحديات متنامية نتيجة التحولات الكبيرة التي فرضتها شبكات التواصل الاجتماعي، وازدياد نفوذ ما يُعرف بـ “مشاهير السوشيال ميديا”، هؤلاء الافراد، الذين يمتلكون تأثيرا واسع النطاق في سلوك الجمهور واتجاهاته، باتوا يشكلون وفق تقييمات البنك المركزي العراقي مصدرا محتملا لمخاطر مالية وقانونية قد تنعكس على استقرار النظام المصرفي والاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، أصدر البنك المركزي العراقي، أمس الاربعاء، تحذيرا رسمياً موجهاً الى المصارف وشركات الدفع الإلكتروني والمؤسسات المالية غير المصرفية، دعا فيها الى التعامل مع مشاهير السوشيال ميديا بوصفهم “عملاء ذوي مخاطر مرتفعة ومتعددة”.
ويأتي هذا التحذير استنادا الى وثائق رسمية حصل عليها البنك المركزي، توضح أن هذه الفئة أصبحت تمثل تهديداً متزايداً في مجالات غسيل الاموال وتمويل الإرهاب والربح غير المشروع والعقود الوهمية، إضافة الى التحويلات المالية التي لا تستند الى مبررات اقتصادية واضحة.
ويشير البنك المركزي الى أن “عددا من مشاهير السوشيال ميديا يحققون أرباحا كبيرة من الإعلانات المدفوعة والترويج التجاري ونشاطات رقمية متنوعة، إلا أن جزءا من هذه الارباح لا يتم الإفصاح عنه بدقة، وقد يجري تمريره عبر تحويلات مالية معقدة أو عقود غير شفافة، ما يجعل تتبع مصادر الاموال واستخداماتها أمراً أكثر صعوبة، كما يشير البنك الى أن بعض هؤلاء قد يرتبطون بكيانات غير رسمية تستخدم شهرتهم كغطاء لتنشيط عمليات مالية تخالف المعايير القانونية والرقابية”.
ومن أجل الحد من هذه المخاطر، وجه البنك المركزي بحزمة تعليمات إجرائية تهدف الى حماية النظام المصرفي العراقي من أي استغلال محتمل، فقد شددت التعليمات على ضرورة تقييم مخاطر هذه الفئة عند فتح الحسابات او إجراء التحويلات، والالتزام بمتطلبات العناية الواجبة المعززة، ومتابعة حركة الاموال بشكل دقيق، كما دعا البنك المركزي الى طلب وثائق إضافية تثبت مصدر الاموال وطبيعة النشاط الاقتصادي، وعدم قبول عقود الاعلانات او الترويج التجاري ما لم تكن معززة بإثباتات قانونية واضحة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تزايد القلق العالمي من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات لعمليات مالية مشبوهة، فمع توسع اقتصاد المحتوى، أصبحت بعضُ الحسابات الشخصية تدر أموالاً طائلة تفوق ما تحققه الشركات الصغيرة، مما يتطلب رقابة أكثر صرامة.
وحول هذا الموضوع يرى المهتم بالشأن الاقتصادي قاسم بلشان في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن قرار البنك المركزي العراقي يمثل خطوة مهمة في تعزيز الاستقرار المالي، خصوصا مع التوسع المتواصل في استخدام المدفوعات الالكترونية والمنصات الرقمية”.
وأضاف بلشان ، أن ” معظم مشاهير السوشيال ميديا يعتمدون على هذه الوسائل في تلقي أرباحهم من خلال تنفيذ حملاتهم المشبوهة، والمساهمة بغسيل الأموال وتهريب العملة مما زاد من مكاسبهم المالية بشكل سريع وظهور علامات الترف عليهم من خلال امتلاك السيارات الحديثة والسكن في الشقق الفارهة ناهيك عن كثرة السفر الى الخارج وغيرها من الأمور التي تترك أكثر من علامة استفهام حول هذا الكسب غير المشروع ” .
و أشار بلشان الى أن “هذه الحسابات المشبوهة ساهمت بشكل كبير في عمليات التأجيج الطائفي وإثارة النعرات العنصرية بين أبناء البلد الواحد، بالإضافة الى عمليات التسقيط بحق الشخصيات الوطنية ودعم الإرهاب بكل أنواعه “.
ولفت بلشان الى أن” التوجيه الجديد يضع المؤسسات المالية أمام مسؤولية مضاعفة في تدقيق بيانات العملاء الذين تظهر عليهم علامات الثراء السريع او التحويلات غير المتناسبة مع نشاطهم الفعلي”.
من جانب آخر، يرى عدد من المختصين أن” هذا الإجراء قد يسهم بتنظيم سوق الاعلانات الرقمية داخل العراق، إذ سيجبر المشاهير على العمل وفق إطار قانوني واضح، وضبط حساباتهم المالية، والإفصاح عن مصادر دخلهم بشكل أكثر شفافية، كما سيكون لذلك انعكاس مباشر على المستهلكين الذين غالبا ما يتأثرون بحملات ترويجية تعتمد على معلومات غير موثوقة أو تدفعهم لشراء منتجات غير مرخصة أو غير مسجلة”.
ويعتبر هذا التحذير خطوة استباقية للحد من المخاطر المحتملة، فمن المتوقع أن يتبعه إطلاق حملات توعية وتحديث للأدلة الرقابية داخل المصارف، إضافة الى تعاون أكبر بين البنك المركزي والجهات الامنية والضريبية، وفي حال تطبيق التعليمات الجديدة بصرامة، قد يصبح العراق من الدول السباقة في المنطقة بتنظيم اقتصاد المؤثرين وتضعه ضمن إطار يتماشى مع المعايير الدولية للشفافية المالية.



