صناعة الأدوية بين طموح الاكتفاء ومنافسة المستورد

بعد زيادة الإنتاج المحلي في سامراء
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
تعد صناعة الأدوية في العراق، واحدة من أكثر القطاعات الاستراتيجية ارتباطاً بالأمن الصحي والاقتصادي، نظراً لأهمية توفر الدواء المحلي وقدرته على تلبية احتياجات السوق وتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يستنزف مليارات الدولارات سنوياً، وعلى الرغم من التحديات المتراكمة عبر العقود، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت حراكاً واضحاً نحو إحياء هذا القطاع، سواء من خلال تحديث خطوط الإنتاج في المصانع الحكومية أو فتح الباب أمام الاستثمار والشراكات مع القطاع الخاص.
ويبرز مصنع أدوية سامراء، بوصفه أقدم وأكبر مصنع دوائي في البلاد، كأحد أهم ركائز الصناعة الوطنية، ولا سيما بعد إعلان إدارته مؤخراً عن ارتفاع نسبة الإنتاج إلى 28 بالمئة، وارتفاع المبيعات بنحو 25 بالمئة، هذا النمو يعكس قدرة المصنع على استعادة نشاطه وتحسين مستوى الإنتاج، خصوصاً مع إدخال خطوط جديدة وتوسيع الطاقات المتاحة، إذ يبلغ حجم إنتاجه من الأقراص ما يقرب من ثلاثة ملايين شريط شهرياً، إضافة إلى تنوع كبير في المستحضرات بين كبسولات ومراهم وقطرات شرابية ومساحيق علاجية، ما يجعله المصنع الأوسع تغطية لأنواع الأدوية على مستوى البلاد.
ويرى مختصون، أن “هذا التطور يحمل أبعاداً اقتصادية مهمة، إذ إن زيادة الإنتاج المحلي من شأنه خفض فاتورة الاستيراد التي تثقل الموازنة العامة، إلى جانب تعزيز الأمن الدوائي وتقليل مخاطر الاعتماد على الأسواق الخارجية في حال حدوث أزمات تؤثر على الاستيراد الدولي، كما أن توسع مصانع مثل سامراء يوفر فرص عمل للكوادر العلمية والفنية، ويفتح المجال أمام تطوير برامج تدريبية تنتج عنها كفاءات قادرة على النهوض بالصناعة الدوائية في المستقبل”.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، كان للخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي رأي آخر في حديث لـ”المراقب العراقي”، حيث أكد، ان “الصناعة الدوائية في العراق لا تزال تواجه عدداً من المعوقات البنيوية، من أبرزها الاعتماد شبه الكامل على استيراد المواد الفعالة الداخلة في الإنتاج، إضافة إلى الحاجة إلى تحديثات تقنية عالية، خصوصاً في مجالات الأدوية التخصصية والبيولوجية مثل العلاجات السرطانية واللقاحات والأنسولين”.
وأضاف، ان “العراق لحد اليوم لا يمتلك منشآت متقدمة لإنتاج هذه الفئات من الأدوية، وهو ما يحد من قدرته على تحقيق اكتفاء ذاتي كامل، كما أكد ان ضعف التمويل في بعض المصانع وعدم استقرار السياسات الصناعية يشكل عائقاً أمام الاستثمار طويل الأمد، إضافة إلى تحديات المتعلقة بالرقابة النوعية، إذ يتطلب سوق الدواء، التزاماً صارماً بالمعايير الدولية لضمان المنافسة مع المنتجات المستوردة التي غالباً ما تتمتع بسمعة قوية”.
وفي إطار التنافس مع المستورد، يرى خبراء القطاع الصحي، أن “الأدوية العراقية يمكن أن تنافس في عدد كبير من الأصناف الدوائية الشائعة والمستخدمة يومياً، خصوصاً بعد ثبوت مطابقة منتجات سامراء ومعامل أخرى للمعايير العالمية، مبينين، ان “هذه المنافسة قد تبقى محدودة في مجال الأدوية المعقدة التي تحتاج إلى تقنيات تصنيع متقدمة أو خبرات خاصة، ما يحتم الدخول في شراكات دولية لنقل التكنولوجيا وتطوير خطوط الإنتاج”.
ومن ناحية الجدوى الاقتصادية، فإن استمرار العراق بالاستيراد دون تطوير قدراته الإنتاجية سيبقيه عرضة لتقلبات أسعار الدواء العالمية، كما سيحرم الاقتصاد المحلي من صناعة قادرة على رفد موازنة الدولة بواردات مالية كبيرة.
وفي المقابل، أكد خبراء، إن تعزيز الصناعات الوطنية، وفي مقدمتها سامراء، يمكن أن تشكل خطوة محورية نحو تقليل واردات الدواء التي تجاوزت قيمتها في السنوات الماضية مليارات الدولارات، إضافة إلى ذلك، فإن التوجه نحو توسيع الإنتاج وفتح الباب أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، يمكن أن يحوّل العراق إلى مركز إقليمي مهم في مجال الصناعات الدوائية، إذا ما تم استغلال موقعه الجغرافي وطاقاته البشرية وكفاءاته العلمية.



