وأخيرًا.. قدسية الإنسان

بقلم: بنت العرب..
في زمن ساد فيه الطغيان والظلم والعدوان وخفتت الأصوات التي تتجرأ على قول كلمة حق في وجه سلطان جائر، في زمن زاغت فيه الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، في زمن رضخ العالم لقرار ظالم بمساواة معاداة الصهيونية بمعاداة السامية، في زمن تمّ قتل مئات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال الأبرياء المظلومين في غزة وفلسطين أمام أعين العالم برمته وبتواطؤ من أعتى قوة عسكرية في الدنيا، في زمن اتسم بسباق مسعور لحيازة المعادن الثمينة للصناعات العسكرية والتقنية وتدمير وإهانة معدن الإنسان وقدسية كرامته وإنسانيته وهو خليفة اللّٰه في الأرض، في زمن بلغ الغيُّ درجة بحيث يأتي مبعوث مغمور يهين كرامة أعلى مؤسسات بلد مستقل ذي سيادة وهو يزورهم وفي عقر دارهم، في هذا الزمن تجرأ صوت شاب مسلم مهاجر على أن يمسك بناصية نبض مدينة تضم بين ظهرانيها أتباع الديانات الثلاث من دون تمييز أو تفريق وتحدّى سياسات انتصرت للظالمين والقتلة والمجرمين ولعصاباتهم، متجاهلة كل القوانين والأعراف الدولية والشرعة الإنسانية مشكّلةً بذلك وصمة عار على مواقف بلدها وعلى الضمير الإنساني في هذه المرحلة من التأريخ.
في هذا الزمن وقف زهران ممداني، ابن الكاتب محمود ممداني، متشرباً أسس الحق والأخلاق والعدل ليبرهن للعالم أنّ الثقافة التي تربّى عليها وأنشأه عليها والده هي نصرة المظلومين، مهما كان الظالم عصيّاً على العدالة وإحقاق الحق.
وقف مع الشرفاء من أتباع كل الأديان ليقول إنّ معاداة الصهيونية الحاقدة المجرمة ليست معاداة للسامية وأنَ اليهود المؤمنين بقدسية حياة الإنسان والذين يُدينون المجازر والفتك بالأرواح البشرية البريئة يقفون معه ويعاضدونه ويشدون من أزره في وجه منافسيه الذين يمتلكون من المال والسلطة ما لا يمتلكه، ولكنه يمتلك من الإيمان بالحق والعدل ما يزلزل كل أموالهم وسلطاتهم. فانتصر صوت الحق حتى على الذي نَصَّب نفسه إمبراطوراً وملكاً على العالم برمته: يستبيح سيادة بلدانه وقرارات شعوبه وثرواتها ببوارج عسكرية يفاخر بانتهاكه حدودها وسيادتها، وبأنه الأقوى عسكرياً في العالم، ولذلك فهو يفعل ما يريد وينتهك القانون الدولي ويعطله، وينتصر لمرتكبي الجرائم بحق أطفال غزة الأبرياء، ويحتفي بهم ويؤلم لهم، غير مدرك أهمية قول الشاعر العربي:
وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقهُمْ ذهبُوا
إن انتصار زهران ممداني يؤكد حقائق عدة أولها أنَ الثقافة هي الأساس في صنع البشر والقيم والمواقف.
فها هو والد زهران، محمود ممداني، الكاتب والمفكر الحر، قد أنشأ ابنه على قيم الحق والعدل ورفض الظلم، وكتب ضد الاستيطان وضد سياسات التفتيت والعنصرية، ما يثبت أن مقاومة الظلم لا يمكن اغتيالها باغتيال قادتها، لأنها ستنبت قادة آخرين كما أنبتتهم أول مرة، وستستمر جيلاً بعد جيل، إلى أن يتمّ إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
الأمر الثاني هو أن القضية الفلسطينية والتي هي أهم وأشرف قضية في القرن الحادي والعشرين قد انتقلت بعد صمود أهل غزة الأسطوري من داخل فلسطين ومن داخل العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، إلى قضية عدالة عالمية تماماً، كما انتقلت قضية جنوب أفريقيا التي كانت تعاني حكم الأبارثايد، إلى قضية دولية بفضل نضال وصمود نيلسون مانديلا ورفاقه وحزبه وشعبه.
وسؤالي هنا هو: ألم يخجل الحكام والنافذون من زهران ممداني؟ ألم يخجلوا أنهم وعلى مدى عامين يتملّقون من يربّت على كتف مرتكب أبشع إبادة في القرن الحادي والعشرين ومرتكب أبشع المجازر في التأريخ البشري بحق الأطفال الأبرياء؟ أولم يخجلوا من فرانشيسكا ألبانيز، تلك المسؤولة الأممية النبيلة، التي خسرت عملها كي تروي بصدق حقيقة ما يُرتكب في غزة للعالم، بينما هم يقبعون في مناصبهم معتقدين أنها تهبهم الاحترام والحصانة؟ أولم يخجلوا من هذا الشاب زهران الذي وضع روحه ومستقبله على المحك كي ينتصر للمظلومين ويتحدى الطغاة ويُشهد اللّٰه والعالم أنه رفض أن يكون شاهد زور رغم التهديد والوعيد؟ هل أدركوا أنَ هذا الشاب هو الذي يمكن أن يوقف إعصار الطغيان من أن يصل إلى عقر دارهم وليس جبنهم أو تواطؤهم ودس رؤوسهم في الرمال، والذي لن ينفعهم شيئاً يوم يقرر الطاغية أن دورهم قد حان حينه.



